أمان، وما لبثت أن أكرهتها الظروف على معاناة التقلبات التي جاءت بها حرب الفروند. ففي يناير 1640 شاركت أمها وآن النمساوية في هروبهما من باريس المملوءة بالمتاريس إلى سان-جرمان، وفي ذلك الشهر جاء نبأ-أخفي عنها ولا ريب حينًا-بأن أباها ضَرب عنقه أنصار كرومويل"ذوو الرءوس المستديرة"المنتصرون فلما خفت حدة الفروند، قامت أم الأميرة هنرييتا على تربيتها في جو من الدعة والتقوى، وعاشت كلتاهما حتى رأتا تشالز الثاني إلى العرش الإنجليزي (1660) ، وبعد عام حين بلغت السادسة عشرة، تزوجت شقيق لويس الرابع عشر،"مسيو"فيليب دوق أورليان، وأصبحت تلقب بالـ"مدام".
أما"المسيو"فكان رجلًا قصيرًا مكور البطن، يلبس حذاءًا عاليًا، ولوعًا بحلي الإناث؛ وأجساد الذكور، شجاعًا كأي فارس في ساحة الوغى ولكنه مزوق، معطر، موشح، مرصع بالجواهر كأشد النساء غرورًا، في هذا البلد الذي كان أكثر بلاد الله غرورًا. وقد أحزن هنرييتا وأخجلها أن ترى زوجها يؤثر صحبتها صحبة شفالييه اللورين، وشفالييه شاتيون. ووقع في غرامها كل إنسان تقريبًا، لا لجمالها الهش فحسب-مع أنها عدت أجمل مخلوق في البلاط (103) -، بل لما هو أكثر من ذلك، لروحها الرقيقة اللطيفة، وحيويتها ومرحها الشبيهين بحيوية الأطفال ومرحهم. وللنسيم النظر المنعش الذي حملته أينما ذهبت، وقد وصفها راسين بـ"الحكم في كل جميل (104) "- وكان واحدًا من كثيرين ممن ألهمتهم ومدت لهم يد المعونة.
ووجدها لويس الرابع عشر لأول وهلة أضعف وأنحف من أن تسيغها فتوته وذوقه، ولكنه حين أحس آخر الأمر بما في خلقها من"حلاوة وضياء" (105) استشعر المتعة المتزايدة في وجودها، وأبهجه أن يراقصها، ويمازحها، ويدبر الألعاب معها، ويصاحبها في التمشي في البستان في فونتنبلو