أما جاك بنين بوسويه (واسمه الأوسط B(nigne- أي اللطيف-كان أنسب لفنيلون) فقد ولد في أسرة ثرية لمحام بارز وعضو في برلمان ديجون (1627) . نذره أبوه للقسوسية، وجز شعر رأسه في الثامنة، وحين بلغ الثالثة عشرة عين كاهنًا في كاتدرائية متز. وفي الخامسة عشرة أرسل إلى كلية نافار بباريس. وفي السادسة عشرة كان قد بلغ من الفصاحة منزلة حملت نساء الأوتيل درامبوبيه المثقفات على إقناعه بأن يلقي عليهن عظة في منتصف سهرة الصالون رغم ما طبع عليه من كبرياء مقترنة بالخجل. وبعد أن تخرج بمرتبة الشرف عاد إلى متز ورسم قسيسًا وتقدم بعد قليل لنيل درجة الدكتوراه في اللاهوت. وقد راعه أن يجد أن عشرة آلاف من بين الثلاثين ألف نفس في متز كانوا من البروتستانت الهالكين. ودخل في جدل مهذب مع بول فيري الزعيم الهيجونوتي، وقد سلم له ببعض المفاسد في الممارسات الكاثوليكية، ولكنه زعم أن الانشقاق رغم ذلك شر أعظم. وظل على علاقات ودية مع فيري اثنتي عشر سنة، تمامًا كما سنراه في فترة لاحقة يجاهد جهادًا حبيًا مع ليبنتز في سبيل إعادة توحيد العالم المسيحي. ولما سمعته آن النمساوية يعظ في متز خيل إليها إنه أرقى من تلك البيئة التي لا تليق بمواهبه، وأقنعت الملك بأن يدعوه إلى باريس، فانتقل إليها في 1659.
ووعظ أول الأمر جماهير بسيطة في دير سان لازار برعاية فانسان دبول. وفي 1660 وعظ جمهورًا عصريًا في كنيسة"لي مينيم"قرب البلاس رويال. وسمعه الملك، فتبين في الخطيب الشاب مزيجًا متوازنًا من البلاغة، واستقامة العقيدة، وقوة الخلق. فدعاه لإلقاء عظات الصوم الكبير في 1662 باللوفر، واختلف إلى هذه الخطب في تقوى واضحة، اللهم إلا في ذلك الأحد الذي انطلق فيه على جواده مسرعًا ليسترد لويز دلا فاليير من الدير. وحفز حضور الملك هذه العظات بوسويه على أن ينفي أسلوبه من الجلافات الريفية، والإستشهادات السكولاستية، والحجج الجدلية.