من شدته فهم عطوف لدور المراهقة. وقد راودته الأحلام بإصلاح فرنسا عن طريق تربية ملكها المستقبل. فعلم الغلام سخافة الحرب، وضرورة النهوض بالزراعة بدلًا من تثبيط همم الفلاحين بالضرائب تجبى لبناء المدن الباذخة ولتمويل الحروب العدوانية. وفي كتابه"حوارات الموتى"الذي ألفه لتلميذه، وسم بالهمجية"تلك الحكومة التي لا قوانين فيها غير إرادة رجل واحد ... فالحاكم ينبغي أولًا وقبل كل شيء أن يكون مطيعًا للقانون، فإذا ابتعد عن القانون لم يعد لشخصه قيمة". وكل الحروب حروب أهلية، لأن الناس جميعًا أخوة، يدين كل منهم للنوع الإنساني-وهو الدولة الكبرى-بدين أعظم كثيرًا من دينه للبلد الذي ول فيه (118) ". أما الملك، الذي لم يكن ضالعًا في هذا التعليم الذي لا تفهمه غير القلة، والذي رأى تحسنًا عجيبًا في خلق حفيده، فقد كافأ فنيلون برئاسة أسقفية كامبريه (1695) . وأخجل فنيلون أحبارًا كثيرين بإقامته تسعة أشهر من كل عام في مقر رئاسته الدينية. أما الشهور الباقية فكان ينفقها في البلاط تواقًا للتأثير في السياسة، مواصلًا أحيانًا تعليم الدوق."
وخلال ذلك كان قد التقى بالمرأة التي قدر لها أن تكون"المرأة القاضية عليه"بمعنى الكلمة. هذه المرأة، واسمها مدام جان ماري دلاموت-جويون، التي تزوجت في السادسة عشرة، وترملت في الثامنة والعشرين وهي جميلة غنية، تهافت الخطاب على طلب يدها، ولكنها كانت قد تلقت تدريبًا دينيًا مكثفًا ليحصنها ضد الرجال الطامعين، ولم تجد لتقواها منصرفًا كافيًا في المراعاة الصورية لشعائر العبادة الكاثوليكية، فاستمعت في تجاوب لمتصوفة زمانها الذين وعدوا بسلام النفس-لا بالاعتراف والتناول والقداس بقدر ما هو بالاستغراق في تأمل إله كلي الوجود، وفي استسلام النفس لله استسلامًا كاملًا محبًا. في مثل المحبة الإلهية لم يعد لأمور الدنيا وزن، وفي مثل هذا التسامي الروحي يجوز للمرء أن يهمل كل الطقوس