فهرس الكتاب

الصفحة 1087 من 15334

الأسيسي رجلًا اتصفت حياته بمثل ما اتصفت به حياة غاندي من وداعة وبُعْد عن الهوى وسذاجة وعفو عن الأعداء؛ وإنه لمما يذكر حسنةً لمعارضيه، لكنها حسنة أكبر بالنسبة له هو، أن حسن معاملته لهم- ولم يكن ذلك محل مقاومة منهم- قد استثار فيهم معاملة حسنة له من جانبهم؛ فلما أرسلته الحكومة إلى السجن، فعلت ذلك مصحوبًا بفيض من الاعتذارات، ولم يبد هو قط شيئًا من حقد أو كراهية؛ وقد هجم الغوغاء عليه ثلاث مرات، وضربوه ضربًا كاد يودي بحياته لكنه لم يردَّ العدوان بعدوان مثله أبدًا، ولما قبض على أحد المعتدين عليه، أبى أن يتوجه إليه بالاتهام.

ولم يلبث بعد ذلك أن نشبت بين المسلمين والهندوس أفظع ما نشب بينهم من فتن، وذلك حين ذبح مسلمو"موبلا"مئات من الهندوس العزَّل، وقدموا"غلفاتهم"لله قربانًا، ثم حدث لهؤلاء المسلمين أنفسهم أن أصابتهم المجاعة، فجمع لهم غاندي أموالًا من أرجاء الهند كلها، وقدم كل المال المجموع، بغير نظر إلى السوابق، وبغير أن يستقطع منه جزءًا لأحد ممن قاموا بجمعه، قَدَّمه للعدو الجائع (57) .

ولد"موهانداس كارام شاند غاندي"سند 1869، وتنتمي أسرته إلى طبقة"فاسيا"وإلى المذهب الجانتي ومن مبادئها التي مارستها مبدأ"أهِمْسا"وهو ألا ينزل أحد الأذى بكائن حي، وكان أبوه أدريًا قادرًا، لكنه كان من زنادقة الممولين، فقد فقدَ منصبًا في إثر منصب بسبب أمانته، وأنفق ماله كله تقريبًا في سبيل الإحسان، وترك ما تبقى منه لأسرته (58) ولما كان"موهانداس"في صباه أنكر الآلهة إذ أساء إلى نفسه أن يرى أعمال الدعارة ماثلة في بعض آلهة الهندوس، ولكي يعلن ازدراءه للدين ازدراء أبديًا، أكل اللحم، لكن أكل اللحم أضرَّ بصحته، فعاد إلى حظيرة الدين.

ولما بلغ الثامنة خطب عروسه، وفي الثانية عشرة تزوج منها وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت