ولكنه قرر إجراء هذا التغيير بعد انتصاره على شارك الثاني عشر في بلطاوه. وكان تواقًا إلى الهرب من جو موسكو الكنسي القاتم وروحها القومية الضيقة، وأراد أن يشعر النبلاء المحافظون برياح التقدم تهب عليهم من الغرب. وعليه فقد جعلها عاصمة له في 1712. وحزن أهل موسكو، وتنبئو بأن الله مدمر عما قريب تلك المدينة نصف الوثنية. كتب بوشكين يقول:"أن موسكو أحنت رأسها أمام العاصمة الجديدة، كما تنحني أرملة الإمبراطور أمام إمبراطورة شابة (12) ". لقد كان في بطرس من شدة الشوق إلى تغريب روسيا ما دفعه إلى تحويلها صوب البلطيق وكأنه يجرها إليه جرًا، ثم أمرها أن تتطلع من خلال نافذته على الغرب [1] ". وفي سبيل هذا الهدف، وفي سبيل توفير قاعدة لأسطوله وميناء للتجارة الخارجية، ضحى بكل الاعتبارات الأخرى. صحيح أن الميناء سيحيط بها الجليد خمسة أشهر في السنة، ولكنها ستواجه الغرب وتلمس البحر. وكما أن الدنيبر جعل روسيا بيزنطية، والفولجا جعلها آسيوية، فكذلك سيغريها النيفا بأن تكون أوربية (14) ."
وكانت الخطوة التالية بناء بحرية تحرس مسالك التجارة الروسية خلال البلطيق إلى الغرب. وحقق بطرس هذه الغاية فترة ببناء ألف سفينة كبيرة خلال حكمه، ولكنها كانت مبنية على عجل بناء سيئًا، فتلفت أخشابها، وتحطمت صواريها في الريح، وبعد موته استسلمت روسيا لقضائها الذي حكمت عليه به الجغرافيا، وهي أن تكون بلدًا حبيسًا في اليابس مغلقًا دون الأطلنطي، منتظرًا غزو الفضاء ليقفز متجاوزًا حواجزه إلى العالم. وبهذا المعنى كانت موسكو على حق: فقوة روسيا ودفاعها كان يجب أن يكونا على اليابس، بجيوشه ورقعته الواسعة. وعليه فقد ثأرت موسكو لنفسها في 1917 وأصبحت العاصمة من جديد.
أما أعظم إصلاحات بطرس دوامًا فهو إعادته تنظيم الجيش.
(1) الظاهر أن هذه العبارة استعملها أول مرة الكونت فرانشسكو الجاروتي في 1739 (13) .