نافعة في السوق المالية (52) . ومكنتهم هذه الاتصالات الأجنبية من تطوير خطابات الاعتماد والكمبيالات. ولم يكن اليهود بالطبع مخترعي الرأسمالية الحديثة، فقد رأينا ذلك النظام ينمو مستقلًا تمام الاستقلال عنهم، وفي الصناعة أكثر منه في المالية، وكان دورهم حتى في المالية صغيرًا إذا قورن بدور آل مديتشي الفلورنسيين، أو آل جريماليري الجنوبين، أو آل فوجير الأوجزبورجيين. وكان مقرضو المال اليهود يتقاضون فوائد عالية، ولكنها لم تكن أعلى مما يتقاضاه المصرفيون المسيحيون الذين يواجهون أخطارًا معادلة.
واكتسب الذهن اليهودي، الذي شحذته الشدائد والظلم والدراسة، في التجارة والمالية مقدرة مرهفة على الكسب لم يغتفرها لليهود منافسوهم قط. ولم تر أخلاقيات اليهود في الثروة أي عيب أو وصمة عار، شأنها في ذلك شأن أخلاقيات البيورتان. ورأى فيها الأحبار دعامة البر، وعصب المجمع، والملجأ الأخير إذا أريد الخلاص من أذى الملوك أو الجماهير المضطهدة. ومع ذلك فصحيح أنه وجد في الجاليات اليهودية في هولندة وألمانيا وبولندة وتركيا رجال جعلوا جمع المال مسرة نفوسهم لا مجرد أداة لحماية شعبهم، واستعملوا في جمعية الحيلة أكثر مما استعملوا الضمير، وأظهروا بني جلدتهم بذلك المظهر المزعج مظهر الثراء العريض يلوثه الترف الواضح، ولا تكفر عنه أعمال البر الكبيرة إلا جزئيًا. ومن حولهم في الغيت كان ثلث إخوانهم يعيشون في فقر، لا يحول دون تضورهم جوعًا غير الصدقات (54) .
ولقد عانى دين اليهود كما عانت أخلاقهم من فقر الحياة في الغيت وانطوائها وهوانها. فالأحبار الذين كانوا في العصور الوسطى رجالًا ذوي شجاعة وحكمة، أصبحوا في العصر أتباع صوفية تهرب من جحيم الاضطهاد والفاقة إلى جنة الأحلام التعويضية. وقد حل التلمود في العصور الوسطى محل التوراة روحًا لليهودية، أما الآن فقد حلت القبلانية محل التلمود. وزعم مؤلف فرانكفورتي من كتاب القرن السابع عشر أنه كان في أيامه أحبار كثيرون لم يروا توراة قط (55) . وكان سليمان لوريا (1510 - 72) علامة عينت هذا الانتقال، فقد بدأ بالتلمود، وبنى عليه كتابه"يم شيل شلومو" (بحر سليمان) ، ولكن حتى ذهنه المرهف استسلم آخر الأمر للقبلانية، فقد كانت