فهرس الكتاب

الصفحة 11534 من 15334

لهيبًا،"فإن أية عاطفة لا يمكن تعويقها أو القضاء عليها إلا بعاطفة أخرى متعارضة وأشد قوة (137) ". ومن هنا كان المجتمع بحق يحاول جاهدًا أن يلطف من انفعالاتنا وأهوائنا باللجوء إلى حبنا للثناء وحسن الجزاء وخوفنا من العتاب والعقاب (138) . كما يسعى المجتمع جاهدًا بحق ليغرس فينا الشعور بالصواب والخطأ وسيلة أخرى لكبح جماح الأهواء والانفعالات. والضمير، بطبيعة الحال، نتاج اجتماعي، وليس هبة أو منحة فطرية إلهية (139) .

ولكن في استخدام الثواب والعقاب الوهميين في الحياة بعد الموت، حوافز على الخلق القويم، تشجيعًا على الخرافة، لا يليق أبدًا بمجتمع ناضج. وينبغي أن تكون الفضيلة-وهي فعلًا كذلك-جزاء نفسها، إذا عرفناها، مثل الرجال، بأنها المقدرة والذكاء، والقوة، لا مثل الجبناء، بأنها الإذعان والطاعة والتواضع والخوف. واشمأز سبينوزا من النظرة المسيحية إلى الحياة بأنها واد من الدموع، وإلى الموت بوصفه مدخلًا للنعيم أو الجحيم، وقد أحس بأن هذا يلقي حجابًا كثيفًا من الكآبة على نشاط البشر، ويغشي بفكرة الخطيئة آمال الناس وأمنياتهم ومسراتهم المشروعة بالظلام والقتام. إن التفكير في الموت ليل نهار سبة في جبين الحياة وامتهان لها"أن أقل ما يفكر فيه الإنسان الحر هو الموت، وأنه ليفرغ كل حكمته وعقله في التأمل في الحياة، لا في الموت (140) ".

وعلى الرغم من ذلك كان سبينوزا يبدو في بعض الأحايين وكأنه يحوم حول فكرة الخلود أن نظريته في الذهن والجسم باعتبارهما جانبين لنفس الحقيقة أدت به منطقيًا إلى أن يرى فناءها متزامنًا. وهو يؤكد هذا في وضوح تام:"أن الوجود الراهن للذهن، وقدرته على التصور تزولان بمجرد أن يكف الذهن عن توكيد الوجود الراهن للجسم (141) ". ثم"أن الذهن لا يمكن أن يتصور شيئًا، ولا أن يتذكر شيئًا مضى إلا حين يكون الجسم موجودًا (142) ". وتظهر في الجزء الخامس بعض فروق غامضة:"أننا إذا نظرنا إلى الرأي السائد بين الناس لرأينا أنهم يعون حقًا خلود أذهانهم، ولكنهم يخلطون بين هذا وبين البقاء أو الدوام، وينسبونه إلى التصور والذاكرة اللتين يعتقدون أنهما تبقيان بعد الموت (143) ". وما دام الذهن عبارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت