وكأنه يجعل مني تكثالًا لعرض الأزياء (مانيكان) . وكانت طبيعته الطيبة الودودة تسارع إلى تلبية كل نداء وتأدية كل خدمة، فإذا علا التراب أحد الكتب أمكن أستخدام أحد جوانب الرداء منفضة. وإذا كان الحبر على قلمي سميكًا لا يتدفق كان جانب الرداء على أهبة الأستعداد. وإنك لترى من خلال الخطوط السوداء الطويلة كم من الخدمات أدى هذا الرداء. إن هذه الخطوط والأشرطة السوداء هي التي أنبأت عن الأديب وعن الكاتب وعن المجد الكادح، أما الآن فيبدو على أني ثري خامل الذكر، لا يعرفني أحد وكنت صاحب السلطان المطلق على ردائي القديم أما الآن فقد أصبحت عبدًا أسيرًا للرداء الجديد" (110) ."
وأعتبر ديدرو أن صداقاته هي أكبر سلوى وأعظم إلهام له في حياته. وكان أرتباطه بجريم أوثق وأبقى من سائر محبيه. وفي 1772 بعد أن كان الواحد منهما قد عرف الآخر لمدة أثنتين وعشرين عامًا كتب إليه"عزيزي صديقي الوحيد، لقد كنت دائمًا وستكون دائمًا صديقي العزيز الوحيد (111) ومع ذلك أساء فتور جريم وتظاهره بعدم الأكتراث في بعض الأحيان إساءة بالغة إلى ديدرو. إن جريم الألماني أستغل طيبة قلب ديدرو وكثيرًا ما أنابه عنه في تحرير صحيفته"كورسبندانس"وحل محله لا في كتابة أخبار المعارض فحسب؟، بل في عرض أحدث الكتب كذلك. وفي بعض الأحيان أشتغل أثناء الليل حتى آخر لحظة حددها جريم لإنجاز العمل (112) وعرض جريم على ديدرو أجرًا فرفض أن يؤجر. ومن المؤسف أن نروي أنه في 1773 سمع ستانلاس بونياسكي ملك بولنده أن ديدرو كان يعد العدة لزيارة سانث بطرسبرج، وفكر في دعوته للتوقف لعدة أيام في وارسو، فما كان من جريم إلا أن نصح الملك بأنه لا غناء في التعرف على الفيلسوف"إن ديدرو بدلًا من أستغلال وقته في أقتسام مجد العبقرية مع فولتير يضيعه في كتابة شذرات لصحيفة كورسبنداس أو يضيعه سدى مع كل من يجد في نفسه الجرأة ليسأله. وأستطيع أن أؤكد لجلالتكم أنه سيموت مغمورًا غير معروف" (113) ."