من أنفه، فاستدعاه القاضي المحلي ولكنه هرب من المدينة اتقاء السجن، واتخذ مقره مدينة نيون على ثلاثة عشر ميلًا من جنيف. وبعد سنوات تزوج ثانية. وكفل فرانسوا وجان-جاك خالهما جابريل برنار. وألحق فرانسوا بصانع ساعات، فهرب، واختفى من التاريخ. وأما جان-جاك وابن خاله أبراهام برنار فقد أرسلا إلى مدرسة داخلية يديرها القس لامبرسييه في قرية بوسيه القريبة"هنا كان علينا أن نتعلم اللاتينية، وكل اللغو التافه الذي أطلق عليه اسم التعليم". (10) وكان التعليم المسيحي الكلفني جزءًا من صميم المنهج.
وأحب معلميه، ولا سيما أخت القسيس، الآنسة لامبرسييه، وكانت في الثلاثين، وجان-جاك في الحادية عشرة، فوقع في غرامها على طريقته العجيبة. كان إذا ساطته عقابًا على سوء الأدب، أبهجه أن يتعذب على يديها،"فإن شيئًا من الشهوانية اختلط بالألم والخزي، مما خلف فيّ الرغبة في تكرار العقوبة أكثر من الخوف". (11) فلما عاد إلى الذنب وضح التذاذه بالعقاب وضوحًا صممت معه على ألا تعود إلى ضربه بالسوط. وقد ظل عنصر مازوكي يلازم تكوينه العشقي إلى النهاية.
"وهكذا قضيت سن المراهقة، ببنية متقدة، دون أن أعرف أو حتى أشتهي أي إشباع آخر لرغباتي المشبوبة غير ما أوحت به إليّ الآنسة لامبرسييه في براءة، وحين بلغت مبلغ الرجال لم يخفِ هذا الميل الصبياني بل اتحد مع الميل الآخر. ولقد ظلت هذه الحماقة وما صاحبها من شدة حياء فطري تحول دائمًا بيني وبين الاجتراء مع النساء، وهكذا كنت أقضي أيامي أتحرق في صمت شوقًا لم أهيم بهن دون أن أجرؤ على البوح برغباتي .."
"وهانذا قد خطوت أول خطوة وأشقها في تيه اعترافاتي الحالك الأليم. ذلك أننا لا نستشعر في البوح بذنب ينطوي على الإجرام فعلًا ذلك النفور الشديد الذي نستشعره في البوح بذنب لا يثير غير السخرية" (12) .