فهرس الكتاب

الصفحة 13116 من 15334

كان مستلم الخطاب هو الذي يدفع أجرة البريد، فأن فولتير كان ينفق أحيانًا مائة جنيه على البريد الذي يتسلمه في يوم واحد. وكان ألف معجب، وألف عدو، ومائة مؤلف شاب، ومائة هو للفلسفة، يبعثون إليه بالهدايا وباقات الزهور، والشتائم، واللعنات، والأسئلة، والمخطوطات، ولم يكن من غير المألوف أن يرجوه سائل متلهف أن ينبئه برجوع البريد هل وجد إله، أو هل للإنسان روح خالدة. وأخيرًا نشر تحذيرًا في"المركيز دفرانس"جاء فيه:

"نظرًا إلى أن عديدين شكوا من عدم تسلمهم ما يفيد وصول طرود أرسلوها إلى فرنيه، أو تورنيه، أو ليدليس، لزم التنبيه إلى أنه بسبب ضخامة عدد تلك الطرود، أصبح من الضروري رفض تسلم كل ما لا يأتي من أشخاص تشرف الملك بمعرفتهم" (43) .

وفي طبعة تيودور بسترمان الكاملة تملأ رسائل فولتير ثمانية وتسعين مجلدًا. وفي رأي برونتيير أنها"أخلد قسم من إنتاجه كله" (44) . والحق أننا لا نجد صفحة مملة في هذا الحشد برمته، لأننا في هذه الرسائل ما زال في إمكاننا أن نسمع ألمع محدث في زمانه يتكلم بكل ألفة الصديق. وما من كاتب من قبل ولا من بعد حشد على قلمه المتدفق كل هذا التأدب، والحيوية، والسحر، والرشاقة الكبيرة. إنها ليست وليمة للذكاء والبلاغة فحسب، بل للصداقة الحارة، والشعور الرقيق، والفكر البتار، ولو قورنت بها رسائل مدام دسفينيه على ما فيها من دواعي البهجة. لبدت ترف رفًا خفيفًا عارضًا على سطح توافه عابرة. لقد كان في زخارف أسلوب رسائله ولا ريب بعض التمسك بالعرف، ولكن يبدو أنه يتعمده حين يكتب إلى دالامبير قائلًا"أعانقك بكل قوتي، ويؤسفني أنه حتم أن يكون العناق على هذا البعد السحيق"، وهو ما رد عليه دالامبير بقوله:"وداعًا يا صديقي العزيز الشهير، إني أعانقك في حنان، وأنا أكثر مني في أي وقت مضى، ملكك بالروح". (45) ثم استمع إلى كلمات فولتير لمدام دو دفان:"وداعًا يا سيدتي .... إن أوثق الحقائق التي التمسها هي أن لك نفسًا توافقني، وسأكون شديد التعلق بها طوال الأجل القصير الذي أفسح لي" (46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت