يقول روسو أن هناك عقدًا اجتماعيًا، لا كتعهد من المحكومين بإطاعة الحاكم، كما جاء في كتاب هويز (اللوياثان) "الوحش"، بل كاتفاق الأفراد على أن يخضعوا رأيهم؛ وحقوقهم، وسلطاتهم لحاجات ورأي مجتمعهم ككل. وكل شخص يدخل ضمنًا في مثل هذا العقد بقبوله حماية القوانين العامة. والسلطة العليا في أي دولة لا تستقر في أي حاكم-فردًا كان أو جماعة-بل في"الإرادة العامة"للمجتمع، وتلك السيادة لا يمكن التخلي عنها أبدًا وإن جاز تفويضها جزئيًا إلى حين.
ولكن ما هذه"الإرادة العامة"؟ أهي إرادة جميع المواطنين؛ أم إرادة الأغلبية فقط؟ ومن الذين يعتبرون مواطنين؟ إنها ليست إرادة الجميع، لأنها قد تناقض كثيرًا من الإرادات الفردية. ولا هي دائمًا إرادة الأغلبية الذين يعيشون (أو يصوتون) في لحظة بعينها، بل عي إرادة المجتمع باعتباره صاحب حياة وواقع مضافين إلى حيوات وإرادات الأعضاء الأفراد. (وروسو، كمفكر واقعي من العصر الوسيط، ينسب للجماعة مجتمعة، أو للفكرة العامة، واقعًا بالإضافة إلى واقع أعضائها الأفراد. فالإرادة العامة أو"روح الجماعة"يجب أن تكون الصوت المعبر لا عن المواطنين الأحياء فحسب، بل الأموات أو الذين لم يولدوا بعد، ومن ثم فالذي يعطيها طابعها ليس هو الإرادات الراهنة فحسب، بل تاريخ الجماعة الماضي وأهدافها المستقبلة. وما أشبهها بأسرة عريقة تفكر في نفسها على أنها واحدة على مر الأجيال، وتكرم أسلافها، وتحمي أخلاقها-(بمعنى أن أبًا من الآباء قد يدفعه التزامه قبل حفدته الذين لم يولدوا بعد إلى مناقضة رغبات أبنائه الأحياء، وأن سياسيًا ما قد يشعر بأنه ملتزم بالتفكير لا بلغة انتخاب واحد بل أجيال [1] كثيرة) . ومع ذلك فإن (صوت الأغلبية ملزم دائمًا للباقين جميعًا(4 ) ) . ومن له حق التصويت؟ كل مواطن (5) . ومن المواطن؟ واضح أنه ليس كل بالغ ذكر. وروسو غامض جدًا في هذه النقطة، ولكنه يمتدح دالامبير لتفريقه بين
(1) العبارة المحتواة بين القوسين تفسير اجتهادي وليست واردة صراحة في روسو.