يجب أن يلجأ إلى سلطة من نوع مختلف، قادرًا على الكبح دون عنف .. هذا ما دعا آباء الأمم في جميع العصور إلى الالتجاء للتدخل الإلهي، ونسبة حكمتهم هم لآلهتهم، حتى، تطيع الشعوب بخضوعها لقوانين الدولة كما تخضع لقوانين الطبيعة ... دون عائق، وتحتمل نير الخير العام عن طيب خاطر" (24) ."
ولن يتشبث روسو دائمًا بهذا الرأي السياسي القديم في الدين، ولكنه في"العقد الاجتماعي"جعل من الإيمان فوق الطبيعي أداة للدولة، واعتبر القساوسة على أفضل تقدير ضربًا من الشرطة السماوية. على أنه رفض اعتبار الكهنة الكاثوليك الرومان كذلك، لأن الكنيسة زعمت أنها فوق الدولة، فهي إذن قوة مفسحة، تقسم ولاء المواطن (25) . وفضلًا عن ذلك فإن المسيحي-كما زعم-إذا أخذ لاهوته مأخذ الجد؛ يركز اهتمامه على الحياة الآخرة، ولا يقيم وزنًا يذكر لهذه الحياة الدنيا، فهو إلى هذا الحد مواطن ضعيف. ومثل هذا المسيحي يكون جنديًا وسطًا؛ قد يقاتل دفاعًا عن وطنه، ولكنه لا يفعل إلا تحت إكراه وإشراف مستمرين، وهو لا يؤمن بشن الحرب دفاعًا عن الدولة؛ لأن له وطنًا واحدًا فقط-هو الكنيسة. والمسيحية تبشر بالعبودية والتبعية الطيعة؛ ومن ثم كانت روحها مواتية جدًا للاستبداد بحيث أن الطغاة يرحبون بتعاونها."إن المسيحيين الحقيقيين خلقوا ليكونوا عبيدًا (26) ". وهكذا اتفق روسو مع ديدرو، واستبق جيون، وكان في تلك الفترة أشد عنفًا في عدائه للكاثوليكية من فولتير؛ ومع ذلك شعر بأن دينًا ما لا غنى عنه؛"دينًا مدنيًا"تصيغه الدولة وتفرضه فرضًا على جميع سكانها. أما عن العقيدة:
"فأن عقائد الدين المدني يجب أن تكون قليلة؛ بسيطة؛ دقيقة العبارة؛ دون شروح أو تعليقات. فوجود إله قادر؛ ذكي؛ خير؛ ذي بصيرة وتدبر؛ ثم حياة أخرى؛ وسعادة الأبرار؛ وعقاب الأشرار؛ وقداسة العقد الاجتماعي والقوانين؛ تلك عي عقائد الدين الإيجابية (27) ".
وهكذا اعترف روسو بعقائد المسيحية الأساسية؛ على الأقل لأغراض