وقد استطاعوا بفضل هذه الصفة أن يعيشوا ويثروا في مناطق العالم كلها تقريبًا. ولم يقو الأفيون ولا الزهري ولا عدم الزواج بغيرهم من الشعوب على إضعاف صحتهم؛ وإذا كان نظامهم الاجتماعي قد انهار في الأيام الأخيرة فإن هذا الانهيار لم يكن نتيجة ضعف ظاهر في قواهم الجسمية أو العقلية.
ووجه الصيني ينم عن أنه أذكى خلق الله طرًا، وإن لم يكن هذا الوجه على الدوام جميلًا جذابًا. نعم إن بعض الطبقات المعدمة تبدو في أعين الغربيين بشعة شديدة القبح، وإن لبعض المجرمين منهم نظرات خبيثة ما أجدر أصحابها بأن يكونوا ممثلين هزليين في دور الخيالة، ولكن كثرتهم العظمى ذات ملامح منتظمة متناسبة هادئة زادها هدوءًا عاملان أحدهما جثماني وهو انخفاض الجفون وثانيهما اجتماعي وهو ما نعموا به من الحضارة التي دامت عدة قرون. وليس انحراف العينين كبيرًا واضحًا إلى الحد الذي يتصوره المرء مما يقال أو يكتب عنهم، وكثيرًا ما تؤثر الشمس في بشرتهم الصفراء فتخلع عليها لونًا أسمر جميلًا. ونساء الزراع منهم لا يكدن ينقصن عن الرجال قوة في الأجسام، كما أن نساء الطبقات العليا رقيقات الحاشية جميلات يبيضن وجوههن بالمساحيق، ويحمرن شفاههن وخدودهن، ويسودن حواجبهن ويزججنها حتى تكون أشبه بورقة الصفصاف أو الهلال (23) . وشعر الرأس خشن قوي عند الرجال والنساء، خال من التجاعيد يعقصه النساء ويزينه عادة بالأزهار. ولقد أراد الرجال في عهد آخر الأسر الحاكمة أن يسروا حكامهم فاتبعوا عادة المنشو وهي حلق شعر نصف الرأس الأعلى. ثم أرادوا أن يعوضوا هذا النقص فتركوا شعر النصف الخلفي وجمعوه في غديرة طويلة أصبحت على مر الزمن أداة لتقويم المخطئ ومظهرًا من مظاهر الكبرياء (24) . ولحاهم لا تطول، وكانوا يحلقونها على الدوام، وقلما كان الواحد منهم يحلق لحيته بيده، فقد كان من عادة الحلاقين أن يطوفوا بالناس ومعهم أدواتهم، وكانوا طائفة موفورة الكسب.