فهرس الكتاب

الصفحة 13615 من 15334

التعدين أو الرعي، هناك كان الإنسان يتميز به الإقليم هو البدوي الذي أسود لونه وتحمص جلده من الشمس، وتدثر على نحو معقد اتقاء للرمال والقيظ. أما المدن الساحلية والمتفرقة هنا وهناك كانت حافلة بالتجارة والحرف اليدوية، ولكن الحياة بدت أكثر دعة واسترخاء مما كانت في المراكز المسيحية، فالنساء يلزمن بيوتهن أو يسرن في وقار شديد تحت أحمالهن ووراء خمرهن، والرجال يمشون الهوينا في الشوارع. وكان جل الصناعة يدويًا، وورشة الصانع ملحقًا يتصدر بيته، وكان يدخن غليونه ويتجاذب الحديث مع غيره أثناء العمل، وأحينًا يشارك زبونًا قهوته.

ويمكن القول بوجه عام أن التركي العادي كان قانعًا غاية القناعة بمدينته، حتى لقد ظل قرونًا لا يطيق أي تغيير ذي بال. وكانت التقاليد هنا كما كانت في التعاليم الكاثوليكية مقدسة قداسة التنزيل. أما الدين فكان أعظم قوة وانتشارًا في الأقطار الإسلامية مما كان في العالم المسيحي، والقرآن هو الشريعة والديانة معًا، وفقهاء الإسلام شراح الشريعة الرسميون. وكان الحج إلى مكة المكرمة يقود كل عام درامته المثيرة فوق رمال الصحراء وعلى الطرق المتربة. أما في الطبقات العليا فإن البدع العقلانية التي طلع بها معتزلة القرن الثامن الميلادي، والتي واصلها الشعراء والفلاسفة المسلمون طوال عصر الإيمان، لقيت قبولًا واسعًا مستورًا. كتبت الليدي ماري ورتلي مانتاجيو من الاستانة في 1719 تقول:

"إن الأفندية (أي الطبقة المتعلمة) .. ليسوا أكثر إيمانًا بالوحي الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) منهم بعصمة البابا. ويصرحون بالربوبية بينهم وبين من يثقون بهم ولا يتكلمون على شريعتهم (أي ما يمليه القرآن الكريم) إلا بوصفها مؤسسة سياسية، تصلح الآن لأن يتقيد بها العقلاء من الناس وإن كانت أصلًا من عمل رجال السياسة والمتحمسين من رجال الدين" (1) .

وانقسم الإسلام بين مذهبي السنة والشيعة كما انقسمت مسيحية الغرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت