وهكذا انتهت الفلسفة الكانتية التي تشبثت بها المسيحية طويلًا، في ألمانيا ثم بعدها في إنجلرة، باعتبارها آخر وأفضل أمل للألوهية، بتصور كئيب لله يراه خيالًا نافعًا نماه العقل البشري ليفسر المطلقية الواضحة للأوامر الأخلاقية.
أما خلفاء كانت الذين يجهلون هذا الأثر الذي خلفه بعد موته، فقد أشادوا به منقذ المسيحية، والبطل الألماني الذي قتل فولتير؛ وغلوا في تمجيد إنجازه غلو غلب تأثيره على تأثير أي فيلسوف من المحدثين. وتنبأ أحد تلاميذه وهو كارل راينهولت بأنه لن يمضي قرت حتى تنافس شهرة كانت شهرة المسيح (100) . وقبل الألمان البروتستنت كلهم (باستثناء جوته) زعم كانت بأنه أحدث"ثورة كوبرنيقية"في علم النفس: فبدلًا من أن يكون الفكر (الشمس) هو الذي يدور حول الشيء (الأرض) ، جعل الأشياء تدور حول الفكر، ويعتمد عليه. وقد أرضى غرور الذات الإنسانية أن يقال لها أن أساليبها الفطرية في الإدراك الحسي هي المقومات المحددة لعالم الظواهر. وخلص فشته (حتى قبل وفاة كانت) إلى أن العالم الخارجي من خلق العقل، واستهل شوبنهاور-الذي قبل تحليل كانت-بحثه الضخم"العالم كإرادة وفكرة"بهذا الإعلان"إن العالم فكرتي"-وهو إعلان أثار بعض الدهشة في مدام دستال.
واغتبط المثاليون لأن كانت كان قد جعل المادية مستحيلة منطقيًا ببيانه أن العقل هو الحقيقة الوحيدة المعروفة لنا مباشرة. وسعد الصوفيون لأن كانت قد قصر العلم على الظواهر، وأقصاه عن العالم النوميني والحقيقي حقًا، وترك هذه المملكة الغامضة (التي أنكر في دخيلة نفسه وجودها) متنزهًاخلاصًا للاهوتيين والفلاسفة. أما الميتافزيقا، التي كان جماعة"الفلاسفة"الفرنسيين قد أقصوها عن الفلسفة، فقد رد لها اعتبارًا حكمًا للعلوم كلها، وأقر جان بول لاشتير لألمانيا بسيادة الهواء، بعد أقر لبريطانيا بسيادة البحر، ولفرنسا بسيادة اليابس. وبنى فشته وشيلنج هيجل القلاع الميتافيزيقية على مثالية كانت الترانسندنتالية، وحتى رائعة شوبتهاور اتخذت نقطة انطلاقها