أما في مدن إقليم المنخفضات فإن الثورة الصناعية جلبت الرخاء لطبقة وسطى متسعة ومغامرة. وانتشرت في جنوب غربي إسكتلندة مصانع النسيج الكثيرة. وبفضل الصناعات والتجارة الخارجية زاد سكان جلاسجو من 12. 500 في عام 1707 إلى ثمانين ألفًا في عام 1800؛ وكانت تضم ضواحي غنية، ومباني ذات شقق في أحياء فقيرة مزدحمة، وجامعة. وفي 1768 - 90 شقت قناة ربطت نهري كلايد وفورث، فأنشأت بذلك طريقًا تجاريًا مائيًا من أوله لآخره بين الجنوب الغربي الصناعي والجنوب الشرقي السياسي. وكانت إدنبرة-التي ناهز سكانها خمسين ألفًا في 1740 - قلب حكومة إسكتلندة وثقافتها وموضاتها. وكانت كل أسرة اسكتلندية ميسورة الحال تتطلع إلى قضاء جزء من السنة على الأقل فيها؛ وإليها أتى بوزويل وبيرنز، وفيها عاش هيوم وروبرنسم وريبورن، وهنا ظهر محامون ذائعو الصيت مثل ايرسكينز، وقامت جامعة ذات مكانة مرموقة، وجمعية إدنبرة الملكية. وهنا كان المقر الرئيسي للمسيحية الاسكتلندية.
وكان الكاثوليك الرومان قلة، ولكن عددهم كان كما رأينا كافيًا لإحداث الزعر في بلد ما زال يتجاوب بأصداء دعوة يوحنا فوكس. وكان للكنيسة الأسقفية أتباع كثيرون بين سراة القوم الذين أعجبهم الأساقفة الأنجليكان وطقوس التناول الأنجليكانية. غير أن ولاء السواد الأعظم كان لكنيسة إسكتلندة،"الكيرك البرزبتيريه" (المشيحية) التي رفضت نظام الأساقفة، واختزلت الطقوس إلى أدنى حد، ولم تقبل في الدين والأخلاق حكمًا غير حكم مجالس أبرشياتها، وشيوخ أقسامها، ومجامع أقاليمها، وجمعيتها العامة. ولعله لم يوجد بلد آخر في أوربا-باستثناء أسبانيا-تشرب شعبه اللاهوت بمثل هذا العمق. وكان في استطاعة مجلس الكنيسة المؤلف من شيوخها وقسيسها أن يفرض الغرامات ويوقع العقوبات على المنحرفين المهرطقين، وأن يحكم على الزناة بالوقوف واحتمال التوبيخ العلني أثناء الخدمة الدينية، وقد حاق بروبرت بيرنز وجين آرمر مثل هذا العقاب في جلسة للكنيسة في 6 أغسطس 1786. وسيطر الإيمان بالاخرويات الكلفنية على عقول الجماهير فجعلت حرية الفكر خطرًا على الحياة والأجساد؛ غير