عشر احتمل بروح الفكاهة المتسامحة ما تخللها من هجاء عارض، ولكن حين سمع المناجاة وما اشتملت عليه من هزء بطبقة النبلاء وبالرقابة، أحس أنه لا يسعه السماح بأن تهان هذه المؤسسات الأساسية علانية، فصاح قائلًا"هذا شيء بغيض، ويجب ألا يمثل أبدًا. أن السماح بعرضه ليعدل تدمير الباستيل. فهذا الرجل يسخر من كل شيء يحب احترامه في أي حكومة" (127) . ثم حظر تمثيل المسرحية.
وقرأ بومارشيه أجزاء منها في بيوت خاصة، فأثار هذا فضول القوم, ورتب بعض الحاشية أن تمثل أما البلاط، ولكن هذا أيضًا حظر في اللحظة الأخيرة. وأخيرًا أذعن الملك للاحتجاجات والالتماسات، ووافق على اعتماد تمثيلها علنًا بعد أن ينقي الرقباء النص بعناية. وكانت حفلة العرض الأولى (27 أبريل 1784) حدثًا تاريخيًا. وبدت باريس كلها مصممة على حضور هذه الحفلة الأولى. واقتتل الأشراف والعامة على دخول المسرح، وحطمت البوابات الحديدة، وهشمت الأبواب، واختنق ثلاثة أشخاص. وكان بومارشيه موجودًا، وقد سعد بهذا الشجار. وبلغ من نجاح المسرحية أنها مثلت ستين مرة دون انقطاع، وكان المسرح يغض بالنظارة في كل حفلة تقريبًا. أما الحصيلة فلم يسبق لها نظير، وتصدق بومارشيه بنصيبه كله-البالغ 41. 999 جنيهًا (128) .
ولقد رأى التاريخ في"زواج فيجارو"إرهاصًا بالثورة، ووصفها نابليون بأنها"الثورة وقد أخذت تفعل فعلها" (129) . ودخلت بعض عباراتها في خميرة العصر. وقد أنكر بومارشيه في المقدمة التي صدت بها بعد ذلك المسرحية المنشورة أي قصد ثوري، واستشهد بفقرات من كتاباته دافع فيها عن الملكية والأرستقراطية. فهو لم يطلب هدم المؤسسات القائمة بل القضاء على المظالم المتصلة بها، وتوفير العدالة المتكافئة لجميع الطبقات، ومزيدًا من حرية الفكر والنشر، وحماية الفرد من أوامر القبض المختومة