وأصبحت آداب المائدة عندهم من الأهمية بحيث عادلت أهمية الدين على أقل تقدير؛ إذ كان لهم قواعد دقيقة تنظم ترتيب القضمات مقاديرها، كما تنظم وضع الجسم في كل مرحلة من مراحل الوجبة، ولم يكن يجوز للسيدات أن تحدثن صوتًا في الطعام أو الشراب، أما الرجال فقد كانت تقتضيهم الأوضاع أن يدلوا على تقديرهم لكرم المضيف بجشئات عدة يظهرون بها عرفانهم بالجميل (58) ؛ وكان الآكلون يجلسون على عقب واحد أو على العقبين فوق حصير، إزاء مائدة لا تعلو عن الأرض أكثر من بضع بوصات، أو قد يوضع الطعام على الحصير بغير حاجة إلى مائدة على الإطلاق، والعادة أن تبدأ الوجبة بشراب ساخن من عصير الأرز؛ ألم يعلن الشاعر"تاهيتو"في زمن بالغ في القدم مبلغ القرن السابع، بأن شراب"الساكي"هو الحل الوحيد الذي تفض به مشكلات الحياة جميعًا؟
إن ما كان ينشده السبعة الحكماء
لأولئك الرجال الذين قدم بهم الزمان
هو- بغير شك- شراب"الساكي"
فبدل أن تجلس ساكنًا
مفكرًا، جادًا رصينًا
فخير ألف مرة أن تشرب"الساكي"
وأن تسكر به حتى تصيح صياحًا عاليًا
فما دام الواقع الحق
هو أن الموت لاحق بنا جميعًا
فلنمرح
مادمنا على قيد الحياة
إن اللؤلؤة التي تتألق بريقها في الليل