ومع ذلك فقد واصلت الحضارة مسيرتها رغم العقبات، ففي ظل حكومات مرتعشة غير ثابتة الأيدي ظلت المؤسسات وزاد عددها ومجدت العبقرية وتواصلت عناصر الحضارة وفضائلها: إنتاج الطعام والبضائع وتوزيعهما، والعمل على الوصول إلى المعرفة ونقلها، ورعاية المواهب والشخصية، وتبادل التأثير والتأثر، وتلطيف حدة الكدح من أجل الحياة، والنضال من أجل الارتقاء بالفنون والآداب والأعمال الخيرية والألعاب الرياضية والأغاني، وإحداث تحولات في الخيال والعقائد والآمال· حقيقة ألم يكن ذلك هو جوهر التاريخ واستمراره، إذا قورن بهياج الحكومات السطحي وفوران الأبطال؟! فهذه الظواهر الأخيرة إن هي إلاّ عرضية سريعة الزوال، لا تمثل جوهر الحلم ·
1/ 1 - الفلاحون The peasantry
كان كثيرون منهم في سنة 1789 لا يزالون إما عمال يومية (عمال اليومية يتلقى الواحد منهم أجرا عن عمل أداه في أثناء اليوم) أو يعملون في الأرض لقاء المشاركة في المحصول (نظام المزارعة) ، وكانوا يعملون في أراضٍ يمتلكها الآخرون، لكن ما أن حل عام 1793 إلا وكان الفلاحون يمتلكون نصف الأراضي الزراعية في فرنسا، إذ كان معظمهم قد اشترى أكراتهم (فدادينهم Acres) بأسعار خفضت للمساومة من ممتلكات الكنيسة التي صادرتها الثورة·
وتحرر معظم الفلاحين إلا قليلا منهم من الرسوم الإقطاعية· فدوافع الملكية حولت العمل من كونه جهدا شاقا وكدحًا مرهقا إلى نوع من العبادة أو الحب الشديد، إذ أدى ذلك كل يوم إلى زيادة الفائض الذي يتحول إلى بناء المنازل وأماكن الاستجمام والكنائس والمدارس، وهذا يحدث فقط إذا تم التحايل على جامع الضرائب أو تضليله أو استرضائه· وكان يمكن دفع الضرائب بالأسينات assignats ( العملة النقدية الورقية الحكومية) على وفق قيمتها الاسمية (المكتوبة عليها) بينما كانت المنتجات تباع بأسينات مضاعفة مائة مرة حتى يضمن البائع أن المبلغ الذي باع به أصبح يساوي قيمة ما باعه·