ورفض كليبر ذلك وطالب بإعادة الحصون التي كان قد سلمها، وما كان الترك (العثمانيون) ليقبلوا ذلك وتقدموا نحو القاهرة، فقاد كليبر رجاله البالغ عددهم عشرة آلاف ليواجه القوات التركية البالغ عددها عشرين ألف مقاتل قوي في سهول هليوبولس (عين شمس) ورفع من الروح المعنوية لرجاله بخطاب بسيط إنكم لا تملكون من مصر سوى الأرض التي تحت أقدامكم، فإن لم تتراجعوا سوى خطوة واحدة لضاع كل شيء وبعد معركة استمرت يومين (20/ 21 مارس 1800) استسلمت الشجاعة التركية (العثمانية) أمام التكتيكات الفرنسية المنظمة وعاد من بقي من المنتصرين إلى القاهرة لينتظروا مرة أخرى المدد من فرنسا·
ولم يستطع نابليون أن يُرسل لهم غوثًا لأن بريطانيا كانت تتحكم في البحر المتوسط· لكنه كان يستطيع أن يفعل شيئًا ما إزاء التقدم الناجح الذي أحرزه الجنرال النمساوي الذي نيَّف على السبعين بعام (بارون فون ميلاس von Melas) على رأس مائة ألف من خيرة الجنود النمساويين عبر شمال إيطاليا إلى ميلان· لقد أرسل نابليون القائد ماسينا Massena لوقف تقدمه لكنه هُزم ولجأ بقواته إلى حصن جنوى Genoa فترك ميلاس قوة لمحاصرته وعيَّن فصائل إضافية لحراسة ممرات الألب تحسبا لهجوم قادم من فرنسا وتقدم على طول الريفيرا Riviera الإيطالية حتى وصلت طلائع قواته إلى نيس Nice في أبريل سنة 1800· لقد قُلِبت (بضم القاف) الموائد على رأس نابليون أو بتعبير آخر صار موقفه حرجًا: فالمدينة التي كان قد بدأ منها هجومه لفتح سهل لومبارديا Lombardy في سنة 1769 أصبحت الآن في أيدي أمة كانت قد ذاقت الهزيمة على يديه - في الوقت الذي كان فيه أفضل جزء من جيشه المشهور الذي عُرف بالجيش الفرنسي فاتح إيطاليا مقسَّمًا ضائعًا في مكان ناء بلا أمل هناك في مصر· لقد كان هذا أكبر تحد واجهه نابليون حتى الآن·
لقد ترك نابليون أمور إدارة فرنسا وطرحها جانبًا، وعاد مرة أخرى قائدًا عامًا يجمع المال ويحشد الجنود والعتاد ويرفع المعنويات وينظم الإمدادات ويدرس الخرائط ويرسل التوجيهات لجنرالاته· وعَهِد إلى مورو Moreau وهو الأكثر صراحة في إظهار عدائه لأعداء نابليون بجيش الراين وزوده بتعليمات حاسمة لا رحمة فيها: