لقد كان فيلينيف قد أسهم في إخفاق الحملة الفرنسية على مصر، وصفحته الماضية تُشير إلى جُبنه وميله للعصيان، ولم يكن مؤمنًا بإمكانية السيطرة على القنال الإنجليزي لستِّ ساعات، وقد تلكأ في باريس حتى أمره نابليون بالتوجه لشغل منصبه في طولون· وكانت تعليمات (أي تعليمات نابليون) ماكرة ومعقدة:
"فليقُد أسطوله في عرض البحر وليترك نلسون Nelson يتتبعه بالأسطول البريطاني الرئيسي ويغريه بتتبعه في الأطلنطي إلى جزر الهند الغربية، ثم يتملص منه بين هذه الجزر ويعود بأقصى سرعة إلى القنال الإنجليزي حيث تنضم إليه الأساطيل الفرنسية والهولندية والاسبانية في الالتحام بالسفن البريطانية فترة تكفي لعبور الجيش الفرنسي بقواربه التي تُعد بالآلاف إلى الأرض الإنجليزية قبل أن يتمكن نلسون من العودة من البحر الكاريبي"·
ونفذ فيلينيف الجزء الأول من مهمته بطريقة حسنة· لقد أغوى نلسون بتتبعه إلى أمريكا، وراغ منه وكرّ عائدًا إلى أوروبا· لكنه عند وصوله إلى أسبانيا لم يجعل سفنه ورجاله في حالة استعداد لاجتياح السفن الإنجليزية التي تحرس القنال، وبدلا من ذلك بحث عن الحماية في مرفأ آمن وصديق في كاديز (قادش) Cadiz· وفُجع نابليون في خطته فأصدر أوامره إلى فيلينيف ليخرج باحثًا عن أسطول نلسون وأن يخاطر بكل شيء في تحد متهوّر للقضاء على السيادة البريطانية على البحار·
وفي قرار عصبي مفاجئ ابتعد الإمبراطور عن القنال الإنجليزي ودار بآلاف الرجال ليسير جنوبًا وشرقًا إلى الراين وما وراءه· وراحت قلوب الفرنسيين جميعًا تخفق أملًا وقلقًا مع هذا الجيش العظيم (وفقًا لتسمية نابليون) وراح الناس في كل مدينة يمر بها يدعون له بالنصر لتحقيق مشروعه· وفي كل كنيسة تقريبًا راح رجال الدين يحثون شباب الأمة على الانضمام إليه ليخدموا تحت راياته وراحوا يتلون من فقرات الأناجيل ما يفسرونه على أساس أن نابليون قد أصبح الآن في رعاية الله وتحت توجيهه المباشر ·