أكان نابليون هو ابن الثورة الفرنسية؟ هكذا كان يطلق عليه المتحالفون الأوروبيون ضدّه لكنهم كانوا يقصدون بذلك أنه ورث كل آثامها وجرائمها وأنه واصل مهمتها في إبعاد أسرة البوربون التي كانت حاكمة· أما هو نفسه فقال مرارًا إنه قد كان سببًا في إنهاء الثورة الفرنسية أو بتعبير آخر أوصلها إلى النهاية - انه لم يُنه ما سبّبته من فوضى وعنف فحسب، وإنما أنهى أيضًا دعاويها الديمقراطية (غير الحقيقية) · لقد كان ابنًا للثورة إلى الحد الذي احتفظ فيه بإنعتاق الفلاحين وتحررهم، وحرية التجارة والقيام بالمشروعات وإلى الحد الذي جعل فيه الناس سواسية أمام القانون وإلى الحد الذي فتح فيه أبواب المناصب على مصاريعها أمام الموهوبين والقادرين كما كان ابنًا للثورة في إرادته المعقودة على الدفاع عن حدود فرنسا الطبيعية،
لكنه عندما جعل من نفسه قنصلًا مدى الحياة فإمبراطورًا وعندما قضى على حرية الحديث وحرية الصحافة وأنهى شراكة الكنيسة الكاثوليكية في الحكم وأقام سجونًا جديدة وشجع الأرستقراطية القديمة والجديدة - فإنه - بالتأكيد - يكون قد أصبح بعيدًا عن كونه ابنًا للثورة· وكان نابليون يمكث أيضًا في البلاد المفتوحة، وفيها أنهى الإقطاع ومحاكم التفتيش وسيطرة رجال الدين على مناحي الحياة، وأدخل لهذه البلاد مواد مدونته القانونية وشيئًا من التنوير، لكنه أيضًا ربط هذه الدول المفتوحة به فعين عليها ملوكا·
أكان حقًا - رغم إرادته - كورسيكا؟ هذا غير صحيح إلاّ فيما يتعلق بولائه لأسرته، وميله للقتال، وعاطفته الجياشة في الدفاع عن فرنسا ضد أعدائها، لكنه لم يكن كورسيكا إذا نظرنا لعدم ميله للإقطاع كما أن قراءاته للمفكرين الفرنسيين أبعدته عن كاثوليكية العصور الوسطى التي كان عليها أهل جزيرته (كورسيكا) · لقد كان كورسيكي الدم، فرنسي التعليم، إيطاليًا في كل شيء خلال ذلك·