فهرس الكتاب

الصفحة 15186 من 15334

وراح رجال الحاشية يلعبون الورق وفقدت اللعبة قيمتها لأن نابليون منع الميسر، وأخرجت المسرحيات وعُزفت الكونشرتات وأقيمت المراسم والتشريفات والحفلات التنكرية، وعندما تضاءل ما تسببه الأزياء والحوارات الفكرية من إثارة، وجد أفراد الحاشية الأساسيين متعتهم في الانتقال مع الإمبراطور والإمبراطورة إلى سان كلو St. Cloud أو رامبول Rambouillel أو تريانون Trianon أو - وهذا أكثر مدعاة للسعادة - إلى فونتينبلو حيث تتلاشى الرسميات وتؤدي ممارسة القنص إلى تدفئة الدماء·

ولم يكن أحد أكثر ضيقًا بهذه الطقوس الملكية كنابليون فقد تجنبها بقدر ما يستطيع· وقد قال:"إن الاتيكيت (قواعد السلوك) هي سجن الملوك"وقال للاكاس:"الضرورة تجبرني على مراعاة درجة من الأبهة (أو التكلّف State) وأن أتبع نظامًا معينًا يجعلني وقورًا - أو بعبارة أخرى أن ألتزم بالاتيكيت· وإلاّ كنت عُرضة للضرب على كتفي يوميًا"

وكان للمراسم والتشريفات أيضًا أساسها المنطقي فالحكومة التي تم تأسيسها حديثًا لابد أن"تكون مُبهرة مثيرة للدهشة، فإذا فقدت تألّقها سقطت فالاستعراض للسلطة كالطقوس للدين أليس صحيحًا أن الدين الكاثوليكي يروق بشكل أفضل للخيال بأبهة طقوسه أكثر مما يروق بسمو عقائده؟! فإن أردت أن تثير الحماسة في الجماهير فلتبد في نواظرهم مقبولًا أو بتعبير آخر اعمل على أن تروق لعيونهم"·

وكما جرت العادة في التاريخ فقد تدهورت سلوكيات البلاط، وتدنت تدريجيًا في محيط المتعلمين· قال بول لاكروا Paul Lacroix جامع الكتب المتعلّم"لتجعل غالب مجتمع حكومة الإدارة راقيًا مهذبًا حسن التربية فإن هذا يستغرق ما بين عشر سنوات واثنتي عشرة سنة", وهذا حقيقي على نحو خاص بالنسبة لليون وبوردو، لكننا لا نتحدث عن باريس التي قالت عنها مدام دي ستيل:"أنه يتلاقى فيها كثيرون من رجال الفكر·· واعتاد عدد كبير منهم أن يزاوجوا بين مسرّات النقاش والقضايا الفكرية الجادة"

وقد ذكر نابليون للاكاس:"نقول الحق إن أشرنا للحساسية والذوق الرفيع اللذين يميزان سكان العاصمة الفرنسية؛ فلن تجد في مكان آخر غير باريس مثل هذه الفطنة وتلك الألمعيّة ومثل هذا الذوق"·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت