شبابها. وقد ظل الأدب اليوناني كله تقريبًا إلى العصر الذي نتحدث عنه (600 ق. م) ، وصقل التعليم أخلاق اليونان شعرًا لا نثرًا، بل إن الفلاسفة الأولين أمثال زنوفانيز، وبرميدس، وأنبدقليز قد ألبسوا نظامهم الفلسفي ثوبًا شعريًا؛ وكما أن العلم كان في بداية الأمر صورة من صور الفلسفة تكافح لتكرر نفسها من الصور العامة النظرية غير القابلة للتحقيق، كذلك كانت الفلسفة في أول عهدها من صور الشعر، تحاول أن تتحرر من الأساطير، وتجسيد القوى ومنحها روحًا، ومن التشابه والاستعارات [1] .
ولذلك كان من الحوادث المهمة في تاريخ العلم أن يشرح فرسيدس Pherecydes وانكسمندر آراءهما نثرًا. وقد بدأ رجال غيرهما في ذلك العصر نفسه يسميهم اليونان لوجوجرافوي أي الكُتَّاب العقليين أو كُتَّاب النثر، بدءوا يسجلون بهذه الوسيلة الجديدة تواريخ دولهم، فكتب كدموس Cadmus (550) تاريخًا لميليتس، وكتب يوجايون Eugaeon تاريخًا لساموس، وكتب زانثوس Xanthus تاريخًا لليديا. وفي أواخر ذلك القرن ارتقى هكتيوس Hecataeus الميليتي بالتاريخ والجغرافية رقيًا عظيمًا في كتابين يعدان فتحًا جديدًا في هذين العلمين هما الهسترياي Historiai أو البحوث والجس بريودوس Ges Periodos أو دورة الأرض. وقد قسم الكتاب الثاني الكوكب الأرضي قارتين هما أوربا وآسية وضم مصر إلى آسية. وإذا كانت الأجزاء الباقية من هذا الكتاب حقيقية؛ فإن فيها معلومات قيمة عن مصر سطا هيرودوت على الكثير منها دون أن يعترف بهذا. وقد بدأ كتاب البحوث بهذه العبارة القوية الدالة على تشككه:"إني أكتب ما أرى أنه حق؛ لأن روايات اليونان في نظري كثيرة وسخيفة". وكان هكتيوس يعد أقوال هومر تاريخًا، وأخذ منها
(1) للكاتب الإنجليزي لورد مكولي بحث طريف في هذا الموضوع تضمنه مقاله من ماتن وقد ترجمنا هذا المقال إلى العربية. (المترجم)