ولم يكن ينتظر بطبيعة الحال أن يستمع الناس إلى هذه الأقوال كلها وهم صابرون، ويبدو أن السكون البارمنيدي كان الهدف الذي صوبت إليه مئات من الهجمات الميتافيزيقية. وترجع أهمية زينون الإليائي الحصيف تلميذ بارمنيدس إلى محاولته إثبات أن فكرتي التعدد والحركة كانتا من الوجهة النظرية على الأقل مستحيلتين كاستحالة واحد بارمنيدس الثابت القديم الحركة - وأراد زينون أن يدرب نفسه على الضلال والمشاكسة، وأن يسلي شبابه في الوقت نفسه، فألف كتابًا في المتناقضات وصلت إلينا تسع منها، حسبنا أن نورد منها ثلاثًا: وأولى هذه المتناقضات كما يقول زينون أن الجسم لكي يتحرك إلى نقطة ألا بد أن يصل إلى ب وهي منتصف طريقه إلى أ، ولكي يصل إلى ب يجب أن يصل أولا إلى ج منتصف طريقه إلى ب، وهكذا إلى ما لا نهاية. وإذ كانت هذه السلسلة التي لا نهاية لها من الحركات تتطلب قدرًا لا نهاية له من الزمن، فإن تحرك أي جسم إلى أية نقطة في زمن محدد أمر مستحيل. والثانية وهي صورة أخرى من الأولى أن أخيل السريع العدو لا يستطيع أن يدرك السلحفاة البطيئة. وذلك لأنه كلما وصل إلى النقطة التي كانت فيها السلحفاة، تكون السلحفاة في هذه اللحظة نفسها قد انتقلت من هذه النقطة. والثالثة أن السهم الطائر في الهواء هو في الحقيقة ساكن غير متحرك، لأنه في كل لحظة من طيرانه لا يكون إلا في نقطة واحدة في الفضاء، أي أنه يكون ساكنًا، وحركته منطقيًا وميتافيزيقيًا غير حقيقية مهما بدا للحواس أنها واقعة فعلًا [1] .
(1) وقد انتقل البحث في هذه المناقضات من أفلاطون (6) إلى برتراند رسل (7) ، وقد يستمر ما دام الناس يعتقدون خطأ أن الأسماء هي المسميات. والذي يجعل هذه الألغاز عديمة القيمة هي افتراض واصفها أن"غير ممدود"شيء وليس كلمة تدل على عجز العقل عن أن يدرك النهاية المطلقة، وأن الزمان والمكان والحركة كلها أشياء غير متصلة أي أنها تتكون من نقطة أو أجزاء منفصلة بعضها عن بعض.