أساس قوي، قلنا أنه لم يكن أنموذجًا صادقًا للوجه اليوناني (129) . ذلك أن سعة وجهه، وأنفه الأفطس العريض، وشفتيه الغليظتين، ولحيته الكثة، كلها توحي بأنه ينتمي إلى أرض السهوب التي جاء منها أناكارسيس Anacharsis صديق صولون، أو ذلك السكوذي الحديث تولستوي. وقد كتب عنه ألقبيادس في إصرار عجيب، حتى في الوقت الذي يجهر فيه بحبه يقول:"أقول إن سقراط يشبه كل الشبه أقنعة سيلينس، التي يمكن رؤيتها في حوانيت التماثيل، وفي أفواهها مزامير وصفارات، وتنفتح في أوساطها فترى في داخلها صور الآلهة. وأقول أيضًا إنه يشبه مارسياس Marsyas الكائن الخرافي الذي يتكون نصفه الأعلى من إنسان ونصفه الأسفل من ماعز ( Satyr) ، ولست أعتقد أنك يا سقراط تنكر أن وجهك هو وجه ذلك المخلوق الخرافي" (130) . ولم يعترض سقراط على هذا القول، بل إنه فعل ما هو شر من هذا فقد اعترف بأن له كرشًا مفرطة في الكبر وأنه يرجو أن ينقصها الرقص (131) .
ويتفق أفلاطون وأكسانوفون في وصفهم عاداته وأخلاقه. من هذه أنه كان يقنع بثوب بسيط رث يلبسه طول السنة، ويفضل الحفاء على الأحذية أو الأخفاف (132) . وقد تحرر إلى حد لا يصدقه العقل من داء التملك الوبيل المصاب به الجنس البشري، ويقال إنه أبصر ذات مرة كثرة البضائع المعروضة للبيع فقال:"ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها!" (133) وكان يشعر بأنه غني في فقره. وكان مضرب المثل في الاعتدال وضبط النفس، ولكنه كان أبعد الناس عن حياة القديسين. وكان في وسعه أن يشرب كما يشرب أي رجل مهذب مثقف، ولم يكن في حاجة إلى الزهد لكي يحتفظ باستقامة خلقه [1] . ولم يكن ناسكًا يعتزل الناس، بل كان
(1) يقول أكسانوفون على لسان سقراط:"إذا سألتني عن الشراب قلت لك إن الخمر ترطب النفس، وتسكن الأحزان ... ولكني أظن أن أجسام الناس كأجسام النبات ... وأن الله إذا غمر النبات بالماء ليرتوي منه لم يقو على الوقوف معتدلًا، ولم يمكن النسيم من أن يسري في خلاله، ولكنه إذا لم يشرب إلا بالقدر الذي يكفيه لأن يستمتع به نما واستوى على سوقه وأثمر أكمل الثمار وأوفرها".