فهرس الكتاب

الصفحة 2428 من 15334

ولتوكيديدز من العيوب ما يعادل فضائله، فهو صارم كصرامة التراقي، وتنقصه روح المرح والفكاهة الأثينية، ولذلك يخلو كتابه من الفكاهة أيًا كانت، وتراه منهمكا على الدوام في"هذه الحرب التي يؤرخها توكيديدز" (وهي عبارة يكررها في كثير من الفخر) إنهماكًا يصرفه عن كل شيء عدا الحوادث السياسية والحربية. وهو يملأ صفحاته بالتفاصيل العسكرية، ولا يذكر قط فنانًا واحدًا ولا عملًا من أعمال الفن. وهو دائم البحث عن علل الأشياء، ولكنه قلما يتعمق إلى العوامل الاقتصادية التي تكمن وراء العوامل السياسية وتحدد مجرى الحادثات؛ وهو وإن كان يكتب للأجيال المقبلة، لا يحدثنا بشيء عن دساتير الدول اليونانية أو عن حياة المدن، أو نظم المجتمعات، وهو يتجنب التحدث عن النساء بقدر تجنبه التحدث عن الآلهة، ويأبى أن يكون لهم موضع في قصته؛ وهو ينطق بركليز صاحب الشهامة والمروءة الذي عرض حياته للخطر من أجل محظية تطالب بحرية المرأة، ينطقه بقوله:"إن سمعة المرأة إنما تقوم على امتناع الرجال عن ذكرها بالخير أو بالشر قدر المستطاع" (149) . وهو وإن عاش في عصر يعد أعظم عصور التاريخ ثقافة، يضل في بيداء الانتصارات والهزائم العسكرية المتعاقبة التي تقوض قواعد المنطق من أساسها، ولا يتغنى بالحياة العقلية الأثينية التي تهز المشاعر هزًا، بل يبقى قائدًا عسكريًا بعد أن يصبح مؤرخًا.

على أننا رغم هذا كله مدينون له بالشيء الكثير، وليس من حقنا أن نعيبه فوق ما يستحق لأنه لم يكتب ما لم يتكفل بكتابته، فهاهنا نجد في القليل طريقة لكتابة التاريخ منظمة، واحترامًا للحقائق، ودقة في الملاحظة، ونزاهة في الحكم، وجزالة في اللفظ لم تبق بعده طويلًا، وسحرًا في الأسلوب، وعقلًا قويًا سديدًا عميقًا، تصلح واقعيته الصارمة لأن تكون دعامة لأرواحنا الروائية الخيالية بفطرتها. ولسنا نجد في كتابه شيئًا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت