على الهرب إلى داخل بلاد بابل. وطاردتهم قوات الملك فاختاروا على طريقتهم الدمقراطية الساذجة ثلاثة قواد يهدونهم سبيل السلامة. وكان من بين هؤلاء القواد أكسانوفون الذي كان في يوم من الأيام تلميذًا لسقراط، والذي كان وقتئذ جنديًا شابًا مغامرًا، قدر له أن يُخلَّد اسمه على الأخص بمؤلَّفه المعروف بالأناباسيس Anabasis أو الصعود الذي وصف فيه وصفًا بسيطًا رائعًا"ارتداد العشرة آلاف"الطويل متتبعين مجرى نهر الفرات نحو منبعه وفوق تلال كردستان وأرمينية إلى البحر الأسود. وكان هذا الارتداد من أعظم المغامرات في تاريخ البشر. وإنا لتدهشنا أشد الدهشة بسالة هؤلاء اليونان وهم يشقون طريقهم سيرًا على أقدامهم يومًا بعد يوم خمسة شهور كاملة، قطعوا في أثنائها ألفي ميل كاملة في بلاد معادية لهم، واجتازوا سهولًا قائظة لا يجدون فيها طعامًا، وطرقًا وعرة خطرة فوق الجبال تتراكم فيها الثلوج إلى عمق ثمان أقدام، يتعرضون فيها لهجمات الجيوش والعصابات المسلحة من خلفهم وأمامهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، ولا يترك أهل البلاد وسيلة إلا اتبعوها لقتلهم أو إضلالهم أو سد الطريق في وجههم. ونحن حين نقرأ هذه القصة الرائعة، التي شوهها في شبابنا إرغامنا على ترجمتها، ندرك أن أهم سلاح تحتاجه الجيوش هو سلاح الطعام، وأن مهارة القائد في تدبير المؤن لجيشه لا تقل أهمية عن مهارته في تدبير الفوز في المعركة. وقد هلك من هؤلاء اليونان من التعرض للعوامل الجوية أكثر ممن هلك منهم في الوقائع الحربية، وإن كانت هذه الوقائع لم تنقطع يومًا واحدًا. ولما أن وقعت عيون الباقين منهم أحياء، وكانت عدتهم 600ر8، على بحر اليوكسين عند تربيزي (طربزون) غمرت قلوبهم موجة من السرور:
"ولم تكد مقدمتهم تصل إلى قمة الجبل حتى علت في الجو صيحة شديدة، سمعها أكسانوفون ومَن في المؤخرة فخيل إليهم أن أعداء آخرين يهاجمون المقدمة - لأن الأعداء كانوا يقتفون آثارهم من خلفهم ... فاستحثوا الخطى إلى"