فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 15334

الساكنة في وهج السماء الصافية. وهنا اعتزم الفنان أن يحيل الطبيعة وتلالها إلى جمال أعظم من جمالها، فشاد في مواجهة أجراف الحجر الأعبل هذه العمَد التي لا تقل فخامة عن العمد التي أقامها أكتينوس لبركليز. وليس في وسع من يشاهدها أن يخالجه شك في أن اليونان قد أخذوا فنون عمارتهم عن هذا الشعب المبدع المبتكر، ولعلهم أخذوها منه عن طريق جزيرة كريت. وعلى جدران هذا المعبد نقوش غائرة تنبض بالحياة والحركة والفكر وتقص قصة أولى نساء التاريخ العظيمات وملكة ليست أقل ملكاته شأنًا.

ويشاهد المرء في طريقه وهو راجع تمثالين كبيرين يمثلان أعظم ملوك مصر تنعمًا، وهو الملك أمنحوتب الثالث، ويسميهما الرحالة اليونان خطأ"تمثالي ممنون". ويبلغ ارتفاع الواحد منهما سبعين قدمًا، ويزن سبعمائة طن وهو منحوت من كتلة حجرية واحدة. وعلى قاعدة أحدهما نقش خطته يد السياح اليونان الذين زاروا هذه الآثار منذ ألفي عام. وهنا أيضا تتضاءل الدهور تضائلًا غريبًا ويبدو هؤلاء اليونان في حضرة هذين التمثالين العظيمين معاصرين لنا نحن. وعلى بعد ميل منهما جهة الشمال آثار حجرية من عهد رمسيس الثاني، وهو شخصية من أروع الشخصيات في التاريخ، ويبدو الإسكندر الأكبر إلى جانبه إنسانًا لا قيمة له ولا خطر. لقد عاش هذا الملك تسعة وتسعين عامًا جلس منهما على عرش مصر سبعة وستين، وأنجب من الأبناء مائة وخمسين. وتراه هنا تمثالًا كان ارتفاعه في يوم من الأيام ستا وخمسين قدمًا، أما الآن فيمتد على الأرض بين الرمال ستًا وخمسين يسخر منه الغادون والرائحون. وقد حرص علماء نابليون على قياس كل جارحة فيه فقدروا طول أذنه بنصف قدم وعرض قدمه بخمس أقدام وقدروا وزنه بألف طن. وكان حقًا على نابليون أن يحييه بما حيّا به الفيلسوف جوته فيما بعد إذ قال:"هاهو ذا الرجل!".

ومن حولنا في هذا المكان على شاطئ النيل الغربي مدينة الموتى حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت