فهرس الكتاب

الصفحة 2585 من 15334

شاملة على جميع هذه الآراء اعترتنا الدهشة إذ نرى أن أفلاطون قد جاء في هذا الوقت القديم بكل ما جاء به في العصور الوسطى الفلسفة والدين والأنظمة المسيحية، وبالشيء الكثير مما جاءت به الفاشية في العصر الحديث. لقد صارت نظرية الأفكار هي"واقعية"المدرسين - واقعية"العموميات"الموضوعية، ولم يكن أفلاطون مسيحيًا قبل وجود المسيحية - على حد قول نتشة -فحسب، بل كان فوق ذلك متزمتًا مسيحيًا قبل وجود عصر التزمت المسيحي. فهو يرتاب في الطبيعة البشرية ويراها شرًا، ويعتقد أنها هي الخطيئة الأولى التي لوثت النفس. وهو يعمد إلى تلك الوحدة القائمة بين الجسم والروح والتي كانت هي الفكرة الرئيسية في القرنين السادس والخامس، فيقسمها إلى جسم خبيث وروح قديسة (139) وهو يستمد من فيثاغورس والأورفية اعتقاد الشرق في تناسخ الأرواح، والكرما [1] ، والخطيئة والتطهير، و"الانطلاق"؛ ويضرب في كتبه الأخيرة على نغمة أخروية شبيه بنغمة أوغسطين أي نغمة الرجل الذي تاب وأناب وعاد إلى الدين الصحيح، ولولا هذا النثر الذي بلغ غاية الكمال لشك الإنسان في أن أفلاطون من اليونان.

وقد بقي أفلاطون أحب المفكرين اليونان إلى الناس لأنه يتصف بعيوبهم الجذابة المحبوبة. وكان مثل دانتي مرهف الحس إلى حد يستطيع معه أنه يرى الجمال الكامل السرمدي وراء الأشكال الدنيوية غير الكاملة. وكان زاهدًا لأنه كان مضطرًا في كل لحظة إلى أن يكبح جماح مزاجه القوي العنيف (140) . وكان شاعرًا يسيطر عليه الخيال ويسير وراء كل فكرة شاذة غريبة، وتستحوذ عليه مآسي الأفكار ومباهجها، يهيجه التحمس الذهني

(1) عقيدة بوذية تقول إن أعمال الإنسان والكائنات الحية بوجه عام يحددها تتابع العلل والمعلولات السابقة بنظام محتوم لا يتبدل. (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت