الإسكندرية تستهوي التجارة العالمية، وكان مرفأها المزدوج مما تحسدها عليه سائر المدن، كما كانت منارتها من عجائب الدنيا السبع [1] . وكانت حقول مصر ومصانعها كبيرة وصغيرة تنتج قدرًا كبيرًا من الغلات الزائدة على حاجة البلاد تباع في الأسواق النائية التي تصل إلى الصين شرقًا، وإلى أواسط إفريقية جنوبًا، وإلى الروسيا والجزائر البريطانية شمالًا. وقد سار الرواد المصريون جنوبًا حتى بلغوا زنجبار وبلاد السومال ونقلوا إلى العالم أخبار سكان الكهوف الذين يعيشون على سواحل إفريقية الشرقية ويقتاتون بالأطعمة البحرية، والنعام، والجزر، وجذور النبات (24) . واستطاعت السفن المصرية أن تقضي على سيطرة العرب على تجارة الهند مع بلاد الشرق الأدنى بسيرها من النيل إلى الهند مباشرة، وأضحت الإسكندرية بتشجيع البطالمة وحكمتهم أهم الثغور التي يُعاد منها شحن البضائع المرسلة إلى أسواق بلاد البحر المتوسط.
وكان مما زاد في سرعة نماء التجارة والصناعة وازدهارهما ما قدمته المصارف المالية من تسهيلات عظيمة. لقد بقي في مصر حتى ذلك الوقت قدر من المقايضة ورثته البلاد من العهود القديمة؛ وكانت الحبوب المحفوظة في المخازن الملكية بمثابة رصيد احتياطي للمصارف؛ ولكن إيداع الحبوب وسحبها، وتحويلها من يد إلى يد كان في الاستطاعة إتمامها على الورق بدل إجراء هذه العمليات
(1) ويقول سستراتس النيدي Sostratus of Cnidus إن الذي أقامها هو بطليموس الثاني وإنه أنفق في تشييدها ثمانمائة وزنة (نحو 2. 400. 000 ريال أمريكي (22". وكانت تعلو بدرج متراجعة إلى ارتفاع أربعمائة قدم، ويغطيها الرخام الأبيض وتزينها تماثيل من الرخام والبرونز. وقد وضع فوق القبة المقامة على الأعمدة والتي كانت تحمل الضوء تمثال لبسيدن يبلغ ارتفاعه إحدى وعشرين قدمًا. وكان هذا الضوء ينبعث من نار وقودها خشب راتنجي؛ والراجح أن مرايا محدبة كانت تعكسه بحيث يُرى على بعد ثمانية وثلاثين ميلًا(23) وقد تم بناء المنارة في عام 279 ق. م وهُدمت في القرن الثالث عشر الميلادي. ومحل جزيرة فاروس التي كانت مقامة عليها هو الآن حي رأس التين بالإسكندرية. أما موضع المنارة نفسه فقد غمره ماء البحر."