منها. ومن ذا الذي يعاقب اللصوص من زملائه إذا كان نصف أعضاء مجلس الشيوخ قد ائتمروا على خرق المعاهدات، وسرقة الأحلاف، وانتهاب الولايات؟ وفي ذلك يقول كاتو:"من يسرق مال مواطن يقضي بقية أيامه مكبلًا بالسلاسل والأغلال؛ ولكن من يسرق مال المجتمع يقضي بقية أيامه رافلًا في أفخر الثياب ومتحليًا بالذهب الوهاج (17) ".
ومع هذه فإن منزلة مجلس الشيوخ قد علت عما كانت عليه من قبل، ذلك بأن رومه بقيادته قد خرجت ظافرة من الحربين البونيتين ومن الحروب المقدونية الثلاث، وتحدت كل منافسيها، وتغلبت عليهم، وكسبت صداقة مصر، وبسطت عليها نفوذها، واستولت على جزء كبير من ثروة العالم أمكنها به أن ترفع عن إيطاليا كلها في عام 146 عبء الضرائب المباشرة. وقد اغتصب مجلس الشيوخ في خلال أزمات الحرب والسياسة كثيرًا من اختصاصات الجمعيات والحكام، ولكن النصر الذي نالته رومه قد برر هذا الاغتصاب؛ وفوق هذا فإن تحول البلاد إلى إمبراطورية متسعة الرقعة قد جعل الجمعية أداة سمجة غير صالحة للحكم؛ ذلك أن الشعوب الثائرة التي خضعت وقتئذ لحكم مجلس شيوخ كثرة أعضائه من الساسة المحتكين والقواد الظافرين، لم يكونوا يقبلون أن يتصرف في شئونهم بضعة آلاف من الإيطاليين الذين يستطيعون حضور الجمعيات الوطنية في رومه. إن الحرية أساس الديمقراطية، والنظام أساس الحرب، وكلاهما لا وجود له مع الآخر. ذلك أن الحرب تتطلب قدرًا عظيمًا من الذكاء والشجاعة، والحزم والسرعة في اتخاذ القرارات، والعمل الجماعي المتحد، والطاعة العاجلة لأوامر الرؤساء؛ ومن أجل هذا قضت كثرة الحروب على الديمقراطية. وكان القانون ينص على أن من حق الجمعية المئوية وحدها أن تعلن الحرب وتعقد الصلح؛ ولكن مجلس الشيوخ كان يستطيع بماله من حق الهيمنة على صلات الدولة الخارجية أن يدفع الأمور إلى حيث لا تجد الجمعية مناصًا من الخضوع لرأيه (18) . وكان مجلس الشيوخ هو المشرف على خزانة الدولة، كما كان هو المسيطر على