لم يبق على هذا الكتاب بل أباده كما أباد كل مؤلفات فارو تقريبًا، على حين أنه أبقى التراجم التي كتبها كرنليوس نيبوس Cornelius Nepos، والتي لا تزيد قيمها على ما يكتبه صبية المدارس. لقد كان التاريخ في رومه فنًا، لم يضم إلى صفات الفن خصائص العلم، ولم يرق حتى في كتابات تاستس Tacitus إلى درجة البعث الإنتقادي والى تلخيص المصادر. ولكن التاريخ بوصفه ميدانًا من ميادين البلاغة قد وجد في ذلك العصر من يمارسه على خير وجه ونعني به كيوس سلستيوس كرسبس Caius sallustius Crispus (86 - 35 ق. م) ، وقد قام كيوس بعمل هام في السياسة والحرب إلى جانب قيصر، وحكم نوميديا وبرع في السرقة، وأنفق كثيرًا من المال على النساء، ثم ركن إلى حياة الترف والآداب في بيت له في رومه اشتهر فيما بعد بحدائقه الغناء وأصبح مسكنًا للأباطرة. وكانت كتبه كما كانت سياسته مواصلة للحرب بوسائل غير وسائلها. فقد كانت"التواريخ وحرب جوجوثين، وكتلين"كلها دفاعًا مجيدًا عن العامة وهجومًا عنيفًا على"الحرس القديم". وقد أظهر فيها ما كان في رومه من انحلال خلقي [1] ، واتهم مجلس الشيوخ والمحاكم بأنها ترفع حقوق الملكية فوق الحقوق الإنسانية، وينطق ماريوس Marius بخطبة يؤكد فيها ما لطبقات الناس جميعًا من حقوق متساوية، ويطالب بان تفتح السبيل لذوي المواهب أيًا كان مولدهم (46) . ويزيد في تأثير قصصه بما يورده فيها من تعليقات فلسفية وتحاليل أخلاقية نفسية. وأوجد أسلوبًا من الهجاء وجزءًا واضحًا سريعًا أصبح هو المثل الذي احتذاه تاستس Tacitus.
(1) يدعى فارو أن أنيوس ميلو Annixs Milo قد ضبط سلست ملبسًا بجريمة الزنى فأنهال عليه بالسياط، ولم يطلقه إلا بعد أن أدى مبلغًا من المال (46) . ولكن أيضًا قد يكون سياسة لا تاريخًا.