ولكن هل في الناس من بلغت فضائله تبقى معها سمعته إذا ما نشرت رسائله الخاصة؟ والحق أن الإنسان إذا أمعن في قراءة هذه الرسائل يكاد يحب هذا الرجل. إنه في واقع الأمر لم يكن له من الأغلاط، ولعله لم يكن له من الغرور، اكثر مما لنا، ولكنه أخطأ إذ خلد هذه الأغلاط وهذا الغرور في نثر أوفى على الكمال. وخير ما نستطيع أن نصفه به أن كان عاملًا مجدًا، وأبًا رحيمًا، وصديقًا وفيًا؛ وفي وسعنا أن نراه في بيته مولعًا بكتبه وبأبنائه، يحاول أن يحب زوجه ترنتيا Terentia الغضوب المصابة بالرثية والتي لم تكن تقل عنه ثروة أو فصاحة. ولقد أوتى هو وزوجه من الثروة ما يبعد عنهما السعادة، وكانت متاعبهما ومنازعاتهما تنشأ على الدوام من حساباتهما الضخمة، وظلت هذه المنازعات تزداد حتى طلقها بسبب تشاحن على المال نشأ بينهما. ولم يلبث بعد أن طلقها أن تزوج بيليا Publia؛ وقد اسفلت نظره إليها أنها ذات ثروة طائلة وليست كبيرة السن، فلما أن أظهرت بغضها لابنته تليا Tullia طلقها هي الأخرى. وكان يحب تليا أشد الحب، فلما ماتت حزن عليها حزنًا كاد يذهب بعقله، وأراد أن يشيد لها معبدًا كمعابد الآلهة. ومن ألطف رسائل شيشرون التي كتبها إلى تيرو Tiro كبير أمناء سره والتي كتبها عنه. وكان تيرو يكتب ما يمليه عليه مختزلًا، ويشرف له على أمواله بقدرة وأمانة كافأه عليهما شيشرون بتحريره من الرق. وأكثر الخطابات عددًا هي التي كتبها إلى أتكس Atticus الذي كان
(1) وهذا المبلغ الأخير اقترضه شيشرون من أحد عملائه. ولسنا نعرف هل رده له أو لم يرده. وقد كان المحامون يقترضون المال من عملائهم لأن القانون يحرم عليهم أن يتقاضوا منهم أجوراَ. وكان من الوسائل الأخرى التي يستحوذون بها على المال من عملائهم ألا ينساهم هؤلاء في وصاياهم. وقد ورث شيشرون بهذه الوسائل وغيرها عشرين مليون سترس في ثلاثين عامًا (53) . إن أخلاق الناس وطبائعهم لتبدل دساتير الدول.