"كرم قيصر الذي لا يصدقه العقل"، وقال عن بمبي إنه لو انتصر لكان أشد منه انتقامًا من أعدائه. ثم أضاف إلى ذلك قوله:"لقد سمعت مع الأسف الشديد عباراتك الفلسفية المشهورة lam satis vivi لقد نلت كفايتي من طول الحياة ومن الشهرة ... ورجائي إليك أن تطرح حكمة الحكماء .. ولا تكن حكيمًا إذا عرضتك الحكمة للأخطار .. إنك لا تزال بعيدًا كل البعد عن إنجاز أعمالك العظيمة، بل إنك لم تضع بعد أسسها"ثم وعد قيصر وعدًا صادقًا باسم مجلس الشيوخ كله بأنهم سيسهرون على سلامته ويصدون بأجسامهم كل اعتداء عليه (57) . وأثرى شيشرون في ذلك الوقت ثراء جعله يفكر في شراء قصر آخر هذا القصر غير قصر صلا نفسه. وكان يستمتع بالمآدب التي يدعوه إليها أنطونيوس ويلبس وغيرهما من أعوان قيصر، ولم تكن رسائله في أي وقت مضى أكثر بهجة مما كانت في ذلك الوقت (58) . غير أن قيصر لم ينخدع بهذا كله، فقد كتب إلى ماريوس يقول:"إذا كان في الناس من هو ظريف فذاك شيشرون ولكنه يبغضني أشد البغض" (59) . وكان قيصر صادقًا في قوله، فلما أن عاد البمبيون إلى مناوأة قيصر بعد أ، أمنوا جانبه ارتمى هذا الأديب التلراني [1] في أحضانهم وكتب يثني على كاتو الأصغر ثناء ما كان أجدره بأن ينبه قيصر إلى ما يحيط به من الأخطار. غير أن قيصر لم يفعل أكثر من أن يرد على شيشرون بكتابة ضد كاتو Anti- Cato لا تدل على حصافة عقله. ذلك أنه بعمله هذا أمكن خصمه من أن يختار السلاح الذي ينازله به، وكانت نتيجة هذا أن انتصر الخطيب عليه، وأثنى الرأي العام على أسلوب شيشرون كما أثنى على الحاكم الذي اختار أن يكتب رسالة وهو قادر على أن يوقع أمرًا بالإعدام.
وبعد فإن الذين حرموا ما كان لهم من سلطان لا يمكن أن تستل سخائمهم
(1) الشبيه في أخلاقه بتلران السياسي الفرنسي الشهير (1754 - 1838) .