فهرس الكتاب

الصفحة 3297 من 15334

ثم حرم ممارسة العبادات والطقوس المصرية الآسيوية في رومة، ولكنه استثنى اليهود من ذلك التحريم، وأطلق الحرية الدينية لسكان الولايات، وأغدق الهبات على الهياكل، وجدد الاحتفالات والمواكب والأعياد الدينية القديمة. ولم تكن الألعاب القرنية احتفالات دنيوية كما يظن لأول وهلة، فقد كانتت تقام في كل يوم من أيامها الثلاثة طقوس وتتلى فيهِ أناشيد، أهم ما تُشعر بهِ عودة صلات الود الوثيقة بالآلهة. ولما أن تغذت العبادات القديمة بهذه المعونة الملكية العليا سرت فيها حياة جديدة ومست من جديد شغاف قلوب الناس وآمالهم السماوية. ومن أجل هذا ظلت ثلاثة قرون صامدة للفوضى الناشئة من العبادات المتعارضة التي تسربت إلى رومة بعد أيام أغسطس. ولما أن ماتت بعد هذه القرون الثلاثة عادت من فورها إلى الحياة من جديد، وإن اتخذت لها رموزًا جديدة وتسمت بأسماء جديدة.

وكان أغسطس نفسهُ من أكبر المنافسين لآلهتة، وكان قيصر قد ضرب له المثل في هذا التنافس: ذلك أن مجلس الشيوخ اعترف بألوهية قيصر بعد عامين من مقتله، وما لبثت عبادته أن انتشرت في سائر أنحاء الإمبراطورية. وكانت بعض المدن الإيطالية منذ عام 36ق. م قد أفسحت لأكتافيان مكانًا بين معبوداتها؛ وما وافى عام 27ق. م حتى أضيف اسمه إلى أسماء الآلهة في الترانيم الرسمية التي كانت تنشد في رومة، وحتى أصبح يوم مولده يومًا مقدسًا لا عيدًا فحسب؛ ولما مات أصدر مجلس الشيوخ قرارًا أن تعبده رومة من ذلك الوقت وأن تعده من الآلهة الرسمية. وكان ذلك كله يُعد عملًا طبيعيًا لا غبار عليهِ عند الأقدمين لأنهم لم يدر بخلدهم قط أن ثمة تفصل على الدوام بين الآلهة والآدميين؛ فما أكثر ما كانت الآلهة تتخذ لنفسها أشكالًا آدمية، ولقد كان ما لهرقل، وليقورغ والإسكندر، وقيصر، وأغسطس وأمثالهم من عبقرية مبدعة يبدو للشرق المتدين بنوع خاص إعجازًا خليقًا بالتقديس. ألم يعتقد المصريون أن الفراعنة، والبطالمة، بل وأنطونيوس نفسه أرباب يعبدون؟ ولقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت