فهرس الكتاب

الصفحة 3503 من 15334

الاستغلال لم يكن في بلد من البلاد أكمل مما كان في رومة القديمة، كما لم تكن الطبقات في بلد آخر أقل تعاطفًا من الطبقات فيها. لقد كان ساكنوها جميعًا في وقت من الأوقات فقراء لا يشعرون بفقرهم، ولكن الفقر والثراء ما لبثا أن وجدا معًا في صعيد واحد، فشعر الفقراء وقتئذ بفقرهم. على أن نظام الإعانات الحكومية والصدقات التي كان السادة يحسنون بها على مواليهم، والوصايا القيمة التي كان يوصى بها الأثرياء أمثال بلبس الذي أوصى لكل ساكن في رومة بخمسة وعشرين دينارًا، كل هذا قد حال بين الأهلين وبين الفقر المدقع. وكاد نظام الطبقات في رومة أن يصبح شبيهًا بنظيره في الهند الحاضرة فيقسم الأمة أقسامًا منفصلة متنافرة، ولكن من كان ذا قدرة من الأهلين كان في وسعه أن يتحرر من الرق، وأن يجمع المال، ويرقى إلى المناصب العالية في خدمة الزعيم. وكان ابن العبد المحرر يتمتع بجميع حقوق الأحرار، وكان في وسع حفيده أن يصبح عضوًا في مجلس الشيوخ، بل ان حفيد أحد المحررين قد أصبح امبراطورًا بعد قليل من هذا الوقت الذي نتحدث عنه.

وتولى العبيد المحررون في القرن الأول الميلادي كثيرًا من المناصب العامة. وكثيرًا ما كان يعهد إليهم الإشراف على أموال الإمبراطورية في الولايات، وعلى عمليات المياه في رومة، وعلى مناجم الامبراطور، ومقالع أحجاره وضياعه، وعلى تموين معسكرات الجيش. وكان المحررون أو العبيد، وكلهم تقريبًا من اليونان أو السوريين، يديرون شؤون القصور الإمبراطورية، ويتولون أخط والمناصب في مجالس الدولة. وتحولت الصناعات والتجارة الصغرى شيئًا فشيئًا إلى أيدي المحررين، وأصبح الكثيرون منهم على مر الأيام من أصحاب رؤوس الأموال وملاك الأراضي؛ وقلما كان ماضيهم يتيح لهم الفرص لرفع مستواهم الخلقي أو يسمو بأغراضهم وأسباب اهتمامهم، فلما أن حرروا أصبح المال شغلهم الشاغل فلم يكونوا يتورعون عن سلوك أي سبيل توصلهم إليه، أو يراعون في إنفاقه وازعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت