وهذه الواقعية القوية هي التي تميز فن النحت الروماني. ولولا إخلاص الرومان المتواتر لهذه النزعة المتأصلة في نفوسهم لما أضافوا إلا القليل لعالم الفن. وقد حدث في عام 90 ق. م أن جاء غلى رومة رجل يوناني من أهل إيطاليا الجنوبية يدعى بستليز Pestiles، وأقام فيها ستين عامًا كاملة، أخرج فيها تحفًا فنية من الفضة والعاج والذهب، وجاء إليها بالمرايا الفضية، وأخرج نسخًا متعددة من روائع الفن اليوناني، وكتب خمسة مجلدات عن تاريخ الفن. فكان بذلك فساري وسليني زمانه في آن واحد. كذلك قدم يوناني آخر يدعى أرسسلوس لقيصر تمثالًا ذائع الصيت لفينوس جنتركس. ونحت أبولونيوس الأثيني تمثال الترسو بلفدير Torso Belvedere في الفاتيكان، وهو تمثال خلت فكرته من الغلو، فليس فيه عضلات بارزة، بل يمثل رجلًا في كمال القوة وصحة الجسم، ولعل نحته في رومة نفسها. وكل ما نستطيع أن نقوله عن هذا التمثال أنه بلغ الكمال غلى الحد الذي كان يبغي صاحبه أن يمثله فيه. وقد ظلت مناحت الفنانين وقتًا ما تعمل جاهدة في إعطاء الآلهة الإيطالية صورًا يونانية، ولم تستثن من ذلك التجريدات القدسية كالفرصة والعفاف. ويغلب على الظن أن جليكون Glycon الأثيني نحت في هذا الوقت نفسه وفي مدينة رومة تمثال هرقل الفرنيزي. ولسنا نعرف متى صنع تمثال أبلو بلفدير ولا متى صنع، ولعله صورة رومانية لتمثال أصيل نحته ليوكارس Leochares الأثيني. ويعرف كل طالب علم كيف آثار جماله الهادئ نشوة ونكلمان Winkelmann الأورانية (21) . ونحت ليونو في ذلك الوقت تمثالين هما تمثال يونو الفرنيزية المنحوت من حجر السماق والمحفوظ في متحف نابلي، وتمثال يونو اللدفيزية المحفوظ في ترم Terme- وهو تمثال فاتر، عابس، ينم عن الاستقامة والعدالة؛ إذا نظر إليه الإنسان بدأ يفهم طواف جوف وتجواله.
كانت هذه التماثيل كلها كما كان تمثال برسيوس واندرمدا Perseus and Andromeda الجميل المحفوظ في متحف الكبتول من الطراز اليوناني الذي اتخذ