فهرس الكتاب

الصفحة 3545 من 15334

وكان في وسع ساكنها السجين فيها أن يتخيل أنه مقيم في حدائق لوكلس، ولم يكن ذلك ليكلفه أكثر من النظر إلى الجدران كما كان في وسعه أن يصيد السمك، أو يقتنص الحيوان، أو يداعب الطيور ويدللها، ويعتز بها في غير فصولها وأيامها، وذلك لأن الطبيعة كانت تنقل إليه في منزله فلا يتحمل هو مشقة الانتقال إليها. وفي الطراز الثالث أو طراز التحلية (1 - 50 م) كانت الأشكال الهندسية المعمارية للزينة لا غير، وكانت تضع المناظر الطبيعية في المنزلة الثانية بعد صور الآدمييين. وفي الطراز الرابع المختلط المعقد كان الفنان يترك العنان لخياله يخترع تراكيب وأشكالًا غريبة، ويضعها في مواضعها وهو مرح ساخر مما تتطلبه الحشمة والوقار، ويكدس في صورته الحدائق والعمد والبيوت الريفية والجواسق بعضها فوق بعض كتشويش الرسوم في هذه الأيام (26) ؛ وكثيرًا ما كان يحصل بهذا على الأثر الذي تحدثه في الناظر صورة تكملها ذكريات لا وعيية سلطت عليها الأضواء. وكان فن العمارة في جميع هذه الطرز المتقاربة إما خاضعًا للتصوير ومسيطرًا عليه يخدمه ويستخدمه، فأنشأ فيه بذلك تقاليد عادت إلى اليقظة بعد ستة عشر قرنًا على يدي نقولاس بوسن Nicholas Poussin.

ومن دواعي الأسف أن ما بقي من موضوعات الرسوم الكبرى قلّما يتعدى الأساطير اليونانية؛ فالآلهة، وجن الحراج، والأبطال، والخاطئون المذنبون- زيوس، والمريخ، وديونيشس، وبان، وأخسيل، وأديسيوس، وإفجينيا، وميديا هذه كلها تتكرر تكرارًا يبعث على الأمل والسآمة، وإن كانت هذه التهمة بعينها يمكن توجيهها إلى فن النهضة. وثمة صور قليلة تمثل الحياة الهادئة الساكنة، كما أننا نعثر في مواضع متفرقة على مطرقة أو صاحب حانة أو قصّاب يلتمع فوق جدران بمبي. وكثيرًا ما يسيطر الحب على المنظر برمته فترى فتاة مطرقة يتنازعها شوق كمين ليس معدوم الصلة بإيروس إله العشق الواقف إلى جانبها، وترى الفتيات والشبان يمرحون على الكلأ يتبادلون نظرات الوجد والهيام، وأرباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت