فيهم. وحاول اليهود بعد أن نفدت مئونتهم اختراق الصفوف للحصول على الطعام، فأسر الرومان آلافًا منهم وصلبوهم، ويقول يوسفوس إن"هؤلاء بلغوا من الكثرة حدًا لم تتسع معه الأرض لإقامة الصلبان، ولم يوجد من الصلبان ما يكفي لأجسامهم". وازدحمت شوارع المدينة بجثث الموتى في المراحل الأخيرة من الحصار الذي دام خمسة أشهر. وكانت جماعات من النهابين تطوف بالموتى وتقطع أجسامهم وتنهب مالهم، ويُقال إن 116. 000 جثة ألقيت من فوق أسوار المدينة، وإن بعض اليهود بلعوا قطعًا من الذهب وخرجوا خلسة من أورشليم، وإن الرومان أو السوريين الذين قبضوا عليهم شقوا بطونهم أو بحثوا في برازهم ليحصلوا على ما ابتلعوه من الذهب (58) . ولما استولى تيتس على نصف المدينة عرض على الثوار شروطًا ظنها لينة، فلما رفضوها أضرمت فرق الحراقين الرومان النار في الهيكل فلم يلبث هذا الصرح العظيم، وكان معظمه مشيدًا من الخشب، أن احترق بأكمله. وقاتل الباقون من المدافعين عن المدينة قتال الأبطال، فخورين كما يقول ديو بموتهم في حرمه (59) . فمنهم من قتل بعضهم بعضًا، ومنهم من ألقوا بأنفسهم على سيوفهم، ومنهم من قفزوا في اللهب. ولم يرحم المنتصرون أحدًا، بل قتلوا كل من استطاعوا أن يقبضوا عليه من اليهود. وقد قبض على 97. 000 وبيعوا في أسواق الرقيق، ومات كثيرون منهم في المجتلدات بعد أن سيقوا مرغمين إلى الألعاب التي أقيمت ضمن احتفالات النصر في بيروت، وقيصرية، وفلباي، وروما. ويقدّر يوسفوس عدد من هلك من اليهود في هذا الحصار وما أعقبه من حوادث بمليون ومائة وسبعة وتسعين ألفًا، أما تاستس فيقدّرهم بستمائة ألف (70م) (60) .
ودامت المقاومة في أماكن متفرقة حتى عام 73، ولكن تدمير الهيكل كان في واقع الأمر نهاية الفتنة ونهاية الدولة اليهودية. وصودرت أملاك الذين اشتركوا فيها وبيعت، وكادت الدولة اليهودية أن تخلو من اليهود،