الناس اهتمامًا بقوله، وأخذوه إلى الأريوبجس أو أكمة المريخ ليجد مكانًا أهدأ من السوق العامة يسمع الناس فيه صوته. وقال لهم إنه رأى في أثينة مذبحًا نُقش عليه"لإله مجهول"وأكبر الظن أن هذا النقش كان يعبر عن رغبة من نقوشه في التسبيح بحمد إله لا يعرفون اسمه على وجه التحقيق، أو في استرضاء هذا الإله أو طلب معونته، ولكن بولس فسره بأنه اعتراف منهم بجهلهم كنه الله، ثم أضاف إلى ذلك هذه الأقوال البليغة."فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه، هذا أنا أنادي لكم به، الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه، هذا إذًا هو رب السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي ... هو يعطي الجميع حياة ونفسًا وكل شيء ... وصنع من دم واحد كل أمة من الناس ... لكي يطلبوا الله لعلهم يتلمسونه فيجدونه مع أنه عن كل واحد منا ليس بعيدًا لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد؛ كما قال بعض شعرائكم أيضًا [1] . لأننا أيضًا ذريته، فإذًا نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان. فالله الآن يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا متغاضيًا عن أزمنة الجهل، لأنه أقام يومًا هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدمًا للجميع إيمانًا إذ أقامه من الأموات" (38) .
ولقد كانت جرأة منه أن يحاول التوفيق بين المسيحية والفلسفة اليونانية [2] ومع هذا فإنه لم يتأثر بهذه المحاولة إلا عدد قليل؛ ذلك أن ما سمعه الأثينيون من الآراء قبل ذلك الوقت قد بلغ من الكثرة ما يحول بينهم وبين التحمس لما يلقى إليهم أيًا كان شأنه. وغادر بولس المدينة يائسًا ذهب إلى كورنثة، وكانت التجارة قد جمعت فيها جالية كبيرة من
(1) ينقل بولس هذه العبارة من (( ترنيمة زيوس ) )لكلينثيز أو من فينومينا لأراتس Aratus Phainomena.
(2) لعل من واجبنا أن نعزو هذه الخطبة إلى مؤلف سفر أعمال الرسل المتأدب بأدب اليونان.