ومات روا Rua ملك الهون حوالي عام 433 وأورث عرشه بليدا Baleda وأتلا Atilla ابني أخيه. ثم قتل بليدا- بيد أتلا كما يقول بعضهم- حوالي عام 444، وتولى أتلا (ومعنى اللفظ باللغة القوطية الأب الصغير) حكم القبائل المختلفة الضاربة شمال نهر الدانوب من الدن إلى الرين. ويصفه جردانس المؤرخ القوطي وصفًا لا نعرف مقدار ما فيه من الدقة فيقول:
هو رجل ولد في هذا العالم ليزلزل أقدام الأمم، هو سوط عذاب سلط على الأرض، روع سكان العالم أجمع بما انتشر حوله من الشائعات في خارج البلاد، وكان جبارًا متغطرسًا في قوله، يقلب عينيه ذات اليمين وذات الشمال، يظهر في حركات جسمه ما تنطوي عليه نفسه من قوة وكبرياء. وكان في الحق أخًا غمرات محبًا للقتال، ولكنه يتمهل فيما يقدم عليه من أعمال، وكان عظيمًا فيما يسدي من نصح، غفورًا لمن يرجو منه الرحمة، رؤوفًا بمن يضع نفسه تحت حمايته. وكان قصير القامة، عريض الصدر، كبير الرأس، صغير العينين، رقيق شعر اللحية قد وخطه الشيب. وكان أفطس الأنف، أدكن اللون، تنم ملامحه على أصله (46) .
وكان يختلف عن غيره من البرابرة في أنه يعتمد على الختل أكثر من اعتماده على القوة. وكان يحكم شعبه باستخدامه خرافاته لتقديس ذاته العليا، وكان يمهد لانتصاراته بما يذيعه من القصص المبالغ فيها عن قسوته، ولعله هو الذي كان ينشئ هذه القصص إنشاء، حتى لقد سماه أعداؤه المسيحيون آخر الأمر"بسوط الله"، وارتاعوا من ختله ارتياعًا لم ينجهم من إلا القوط. وكان أميًا لا يستطيع القراءة أو الكتابة، ولكن هذا لم ينقص من ذكائه الفطري. ولم تكن أخلاقه كأخلاق المتوحشين، فقد كان ذا شرف، وكان عادلًا، وكثيرًا ما أظهر أنه أعظم كرمًا وشهامة من الرومان. وكان بسيطًا في ملبسه ومعيشته، معتدلًا في مأكله ومشربه، يترك الترف لمن هم دونه ممن يحبون التظاهر بما عندهم من آنية فضية وذهبية، وسروج، وسيوف وأثواب مزركشة تشهد بمهارة أصابع أزواجهم،