مورد رزقهم [1] ، وكادوا يوقعون به أذى جسيمًا لولا أن حماه عنهم عمه أبو طالب. ولم يعتنق أبو طالب الدين الجديد، ولكن إخلاصه لتقاليد العرب القديمة تحتم عليه أن يحمي كل فرد من أفراد قبيلته.
وكان خوف قريش من إثارة الفتنة الصماء بين العرب مانعًا لها من استخدام العنف مع محمد والأحرار من أتباعه، أما من آمنوا به من العبيد فقد كان في وسعهم أن يستخدموا من الأساليب ما يرونه كفيلًا بردهم عن الدين الجديد دون أن يخالفوا بذلك قوانين القبائل وتقاليدها.
فزجوا بعضهم في السجون وعرضوا البعض الآخر ساعات طوال إلى وهج الشمس وهم عراة الرؤوس. ومنعوا عنهم الماء [2] وكان أبو بكر قد ادخر من تجارته خلال عدة سنين أربعين ألف قطعة من الفضة، فلما رأى ما كان يحدث لأولئك العبيد أنفق 35000 منها في تحرير أكبر عدد من العبيد المسلمين، ويسّر محمد الأمر بقوله إن المرتد المكره لا عقاب عليه [3] وغضبت قريش من ترحيب محمد بالعبيد أكثر من غضبها من عقيدته الدينية. وظلت تضطهد من دخل في الإسلام من الفقراء اضطهادًا بلغ من القسوة حدًا لم يسع النبي معه إلا أن يأذن لهم أو يشير عليهم بالهجرة إلى بلاد الحبشة، حيث رحب بهم ملكها المسيحي وأكرم وفادتهم (615) .
وحدث بعد عام من لك الوقت حادثة كان لها من الشأن في تاريخ
(1) كانوا يدافعون عن مورد رزقهم وعن دينهم. وقد قال من ذهب منهم إلى عمه أبي طالب: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آبائنا فإما أن تكفه عنا أو أن تخلي بيننا وبينه"سيرة بن هشام جزءًا: 170". (ي)
(2) يقول ابن إسحق في سيرته"وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبون بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوا منهم، ويفتنونهم عن دينهم."
(3) عملًا بقوله تعالى في سورة النحل الآية 106"إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالايمَانِ".