من أهل المدينة يدعى كعب بن الأشرف، وكانت أمه يهودية، حين انقلب محمد على اليهود، وكتب قصائد يحرض فيها قريشًا على أن يثأروا لهزيمتهم، وأثار غضب المسلمين بتشبيبه بنسائهم، فقال النبي"من لي بابن الأشرف؟"فلم يمضِ آخر النهار حتى كان رأس الشاعر ملقى أمام قدميه. وكان المسلمون يرون أن هذه الأعمال وأمثالها إن هي إلا دفاع مشروع عن أنفسهم من الخونة، فقد كان محمد رئيس دولة، وكان من حقه أن يصدر فيها الأحكام [1]
ولم يطل حب اليهود من أهل المدينة لهذا الدين ذي النزعة الحربية، والذي بدا لهم أول الأمر شديد الشبه بدينهم، وأخذوا يسخرون من تفسير محمد لكتابهم المقدس، وقوله أنه هو الذي بشر به آباؤهم، وكان جوابه أن قال، كما أوحى إليه، إنهم حرفوا كتابهم، وقتلوا أنبياءهم، وأبوا أن يصدقوا المسيح. وكان قد اتخذ بيت المقدس قبلة يتجه إليها المسلمون في الصلاة، فاستبدل به في عام 624 مكة والكعبة، واتهمه اليهود بأنه قد عاد إلى عبادة الأوثان [2] . وحدث في هذا الوقت أن زارت فتاة مسلمة سوق بني قينقاع اليهودي في المدينة، وبينا هي جالسة
(1) هي عصماء بنت مروان وقاتلها عمير بن عدي الخطمي. ولكل حادثة من الحوادث السالفة الذكر ظروف وأسباب تبررها بلا ريب؛ فهذه عصماء بنت مروان كانت تعيب الإسلام وأهله وتحرض على المسلمين وتؤذيهم أذى شديدًا فكان قتلها جزاء ما جنت حقًا واجبًا حتمته الضرورة حتى قيل في شأنها بعد أن قتلت"من يومئذ عز الإسلام أهله بالمدينة". وكعب بن الأشرف لم يكن مسلمًا ثم ارتد كما يقول المؤلف، ولو كان كذلك لكان قتله فرضًا من هذه الناحية، لأن المرتد يجب قتله إن لم يتب ويرجع عن الكفر؛ لكنه كان كما أشار المؤلف عدوًا لله ولرسوله والمؤمنين، إذ كان يحرض المشركين على المسلمين، ويشبب بنسائهم حتى أذاهم أذى شديدًا، وهو مع هذا كان ذا جاه ومسموع الكلمة في قومه، فكان لهذا عدوًا يخشى عدوانه من وجوه مختلفة، ولهذا كان قتله أمرًا مشروعًا وواجبًا دفاعًا عن الدين وأهله، وهم محاطون بالأعداء من كل جانب، وخاصة وقد لقي المسلمون أذى كثيرًا من غدر اليهود بالمدينة مقر الإسلام حينئذ، والعدو الداخلي في مثل هذه الظروف أشد ضررًا من العدو الخارجي كما هو معروف.
(2) وفي ذلك نزل قوله تعالى"قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجِدِ الحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلوا وُجُهَكُمْ شَطْرَهُ"سورة البقرة (الآية 144) .