المسلمين وكانوا يأتمرون به ليقتلوه. وبعد أن حاصرهم ثلاثة أسابيع أذن لهم أن يهاجروا من المدينة على أن تأخذ كل أسرة معها حمل بعير. واستولى النبي على بعض ما كان لهم من بساتين النخيل الغنية، فكان بعضها له، ووزع مل بقي منها على المهاجرين [1] . لقد كان محمد يرى أنه في حرب مع أهل مكة، وأن من حقه أن يؤمن نفسه بإبعاد الجماعات المعادية له عن جناحيه.
وعادت قريش وعاد أبي سفيان إلى مهاجمة المسلمين في عام 626 بجيش يبلغ 10. 000 رجل يساعدهم يهود بني قريظة مساعدة جدية. ورأى محمد أنه لا يستطيع مقابلة هذه القوة الكبيرة في الميدان، ففضل أن يدافع عن المدينة بحفر خندق حولها. وحاصرتها قريش عشرين يومًا حتى فتَ في عضدهم المطر والعواصف، فعادوا إلى أوطانهم، وقاد محمد من فوره ثلاثة آلاف من المسلمين وهاجم بهم يهود بني قريظة، فلما استسلموا خيرهم بين الإسلام والموت.
وكان النبي في ذلك الوقت قد أصبح من مهرة القواد، فقد جهز في العشر السنين التي قضاها في المدينة خمسًا وستين غزوة وسرية حربية قاد بنفسه سبعًا وعشرين منها، ولكنه كان إلى هذا سياسيًا محنكًا، يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم، وكان يشارك المهاجرين في الحنين إلى بيوتهم وأسرهم في مكة، ويشارك المهاجرين والأنصار جميعًا في الحنين إلى زيارة الكعبة، التي كانت في صباهم عزيزة عليهم وموضع إجلالهم.
(1) هاجم الرسول بني النضير ولما يمضي على يوم أحد أكثر من خمسة أشهر لأن يوم أحد كان في منتصف شوال سنة ثلاث من الهجرة وأمر بني النضير كان في ربيع الأول سنة أربع. وقد أذن لهم النبي أن يأخذوا معهم من أموالهم ما استطاعت الإبل أن تحمله، إلا السلاح كما يذكر ابن هشام. وأما تقسيم الفيء فقد اتبع فيه النبي قول الله عز وجل:"ما أفاء الله على رسولهِ مِن أهلِ القُرى فللهِ وللرَسولِ ولذي القُربى واليَتامى والمَساكين وابن السَبيل كي لا يَكون دَولةً بينَ الأغنياء مِنكم". ويقول ابن هشام (ج2 ص178) عن أموال بني النضير إن الرسول قسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من هؤلاء ذكرا فقرًا فأعطاهما أيضًا. (ي)