بعض المدن الإسلامية كإشبيلية بصنع الآلات الموسيقية الدقيقة التي لا تضارعها آلات أخرى مما كان يصنع وقتئذ في بلاد الإسلام (152) . وكان يقصد بالموسيقى الآلية كلها تقريبًا أن تصحب الغناء أو أن تكون مقدمة له. وكان يقتصر في العادة على استخدام أربع آلات أو خمس في وقت واحد، ولكننا نقرأ أيضًا عن فِرَق موسيقية كبيرة العدد (153) ، وتقول إحدى الروايات المتواترة إن سريج الموسيقى من أهل المدينة أول من استعمل القضيب (154) .
وكانت منزلة الموسيقيين عند المسلمين منحطة إذا استثنينا مشهوري الفنانين وذلك على الرغم من ولع المسلمين بهذا الفن ولعًا يبلغ حد الجنون. وشاهد ذلك أننا قلما نرى من أفراد الطبقات العليا من نزل من عليائهِ فدرس هذا الفن الفاتن الذي يسلب العقول. ومن أجل هذا كانت الموسيقى في بيوت الأغنياء من عمل القيان، ومن المشرعين فئة تقول إن شهادة الموسيقى لا تقبل في المحكمة (155) . وكذلك كان الرقص عنهم يقتصر على الجواري يدربن عليه ويستأجرون له؛ وكان في كثير من الأحيان رقصًا شهوانيًا، وفي كثير منها فنيًا. وقد أقام الخليفة الأمين حفلة راقصة دامت طوال الليل رقص فيها عدد كبير من الفتيات وغنّين. ولما اتصل العرب باليونان والفرس ارتفعت منزلة الموسيقيين عندهم، وكان الخلفاء الأمويون والعباسيون يغدقون الهبات على كبار الموسيقيين في أيامهم؛ فها هو ذا سليمان بن عبد الملك يعرض جوائز تبلغ عشرين ألف قطعة من الفضة (10. 000 دولار أمريكي) لمباراة بين الموسيقيين في مكة. وهاهو ذا الوليد الثاني يعقد مباريات في الغناء كانت الجائزة الأولى في واحدة منها 300. 000 قطعة من الفضة (150. 000 دولار أمريكي) (156) ، وربما كانت هذه الأرقام مبالغًا فيها كعادة أهل الشرق. وقد دعا المهدي إلى بلاطهِ مغنيًا مشهورًا من أهل مكة، ودعا هرون الرشيد إلى بلاطهِ إبراهيم الموصلي وأعطاه 150. 000 درهم (75. 000 دولار أمريكي) ورتب له عشرة آلاف شهر ووهبه 100. 000 نظير أغنية واحدة. وقد بلغ من حب هرون للموسيقى أن شجع تلك الموهبة في