وأدخلت صناعة الورق من بغداد فازداد حجم الكتب وتضاعف عددها، حتى كان في الأندلس الإسلامية سبعون مكتبة عامة، وكان الأغنياء يتباهون بكتبهم المجلدة بالجلد القرطبي، ومحبو الكتب يجمعون النادر المزخرف منها. ومن ذلك أن الحضرمي أحد العلماء رأى في مزاد بقرطبة رجلًا آخر لا يفتأ ينافسه فيزيد من ثمن كتاب يرغب فيه حتى فاق الثمن كثيرًا قيمة الكتاب، ولما سئل المزايد الذي اقتناه في ذلك قال إن في مكتبته الخاصة موضعًا خاليًا يسع هذا الكتاب بالدقة. ويضيف فاغتاظ العالم من هذا القول أشد الاغتياظ ولم يسعه إلا أن يقول:"نعم لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك، ويعطى الجوز من لا أسنان له" [1] .
وكانت للعلماء في الأندلس منزلة رفيعة وشهرة واسعة، يعظمهم الناس ويهابونهم، ويستثيرونهم في شئونهم، ويعتقدون أن لا فرق مطلقًا بين العلم والحكمة. وكان علماء الدين والنحاة يعدون بالمئات؛ أما الخطباء، وفقهاء اللغة، وأصحاب المعاجم، والموسوعات، ودواوين الشعر، والمؤرخون، وكتاب السير فلم يكن يحصى عددهم. وكان أبو محمد علي بن حزم (994 - 1064) من جهابذة علماء الدين والمؤرخين، كما كان وزيرًا لآخر الخلفاء الأمويين ويعد كتابه المعروف بـ"كتاب الملل والنحل" [2] الذي يتكلم فيه على اليهودية،
(1) ثم أضاف: وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلًا وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه. (المترجم)
(2) اسم الكتاب كاملًا هو"الفصل في الملل والأهواء والنحل"للإمام أبي محمد علي ابن أحمد ابن حزم سنة 456هــ وأما كتاب"الملل والنحل"فللإمام أبي الفتح محمد ابن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548هـ. والفصل الواردة في بدْ اسم الكتاب الأول جمع فصله بالكسر كقصعة وقصع وهي النخلة المنقولة من محلها إلى آخر لتثمر. هذا ولم نعثر على الفقرة الواردة هنا بنصها في كتاب ابن حزم ويبدو لنا أن دوزي الذي نقل عنه المؤلف فد أخذ معناها من مواضع متفرقة من الكتاب ولهذا لم نرَ بدًا من ترجمتها واستعملنا ما عثرنا عليه من ألفاظ ابن حزم في الفص الذي تكلم فيه على النصارى. (المترجم)