فهرس الكتاب

الصفحة 4902 من 15334

ويؤمن سعديا بالوحي والتواتر معًا أي بالشريعة المكتوبة وغير المكتوبة، ولكنه يؤمن أيضًا بالعقل، ويطالب بأن يثبت استنادًا إلى العقل صدق الوحي والتواتر. فإذا ما تعارضت نصوص الكتاب المقدس تعارضًا صريحًا مع حكم العقل، فلنا أن نفترض أن النص المتعارض لا يقصد به أن تأخذه العقول الناضجة بحرفيته. كذلك يجب أن تؤخذ أوصاف الله الجسمانية على أنها مجاز لا حقيقية؛ ذلك أن الله ليس إنسانًا يتصف بما يتصف به البشر ويدل نظام العالم وقوانينه على وجود خالق عاقل مدبر. وليس من العقل في شيء أن يظن أن الله العاقل المدبر يعجز عن أن يثيب على الفضيلة، ولكن الفضيلة، كما هو واضح، لا يثاب عليها دائمًا في هذه الحياة؛ ومن ثم لا بد أن تكون هناك حياة أخرى تعوض ما يبدو في هذه الحياة الدنيا من ظلم ظاهري؛ ولعل آلام الصالحين في هذه الدنيا ليست إلا عقابًا لبعض ما ارتكبوه من ذنوب حتى يدخلوا الجنة من فورهم بعد موتهم، كما أن ما يظفر به الأشرار من نعم إنما هو مثوبة على أعمالهم الصالحة العارضة، حتى ... ولكن الناس كلهم حتى الذين يقومون بأحسن الأعمال الصالحة في هذا العالم وينالون فيه أعظم الخير والسعادة يحسون في أعماق قلوبهم أن ثمة حالًا خيرًا من حالهم هذه الواسعة الآمال القليلة الممتعة، وكيف يجوز لله الذي اقتضت حكمته العظيمة خلق هذا العالم العجيب أن يبعث هذه الآمال في النفس إذا لم يشأ أن تتحقق؟ (9) ، ولقد تأثر سعديا إلى حد ما بفقهاء الإسلام وسار على نهجهم في الشرح والإيضاح، بل إن استعار منهم في بعض الأحيان أساليب الجدل والنقاش. وقد انتشرت آراؤه في جميع أنحاء العالم اليهودية وتأثر بها ابن ميمون، وهل أدل على هذا من قول ابن ميمون:"لولا سعديا لكادت التوراة أن تختفي من الوجود" (10) .

وهنا يجب أن نقر بأن سعديًا كان رجلًا فظًا إلى حد ما، وأن نزاعه مع الإجزيلارك داود بن زكاي قد أضر بيهود بابل. وكانت نتيجة هذا النزاع أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت