معرفة شيء عن الله إلا أنه موجود، بل إن الصفات غير الجسمية التي نصفه بها-كالعقل، والقدرة على كل شيء، والرحمة، والحب، والوحدة والإرادة-كلها من نوع الجناس فهي إذا وصف بها الله كان لها معنى غير معناها إذا ما وصف بها الإنسان. ولن نستطيع قط أن نعرف معناها بالضبط إذا وصف بها الله، وليس في وسعنا أن نعرفه، ولا ينبغي لنا أن نعزو إليه خواص أو صفات أو نثبت له شيئًا من أي نوع كان. فإذا قيل في الكتاب المقدس إن الله أو المَلَك"كلم"الأنبياء"، فليس لنا أن نتخيل لفظًا أو صوتًا، والنبوة هي تنمية المخيلة إلى أقصى درجات النماء"، وهي فيض"الذات الإلهية"عن طريق الحلم أو النشوة الإبصارية، فالذي يقصه الأنبياء لم يحدث في الواقع وإنما حدث في هذه الرؤيا أو الحلم، وعلينا أن نفسره في معظم الأحوال تفسيرًا مجازيًا (64) "ولقد قال بعض حكمائنا في وضوح إن أيوب لم يكن له قط وجود، وإنما خلقه الشعراء خلقًا ... ليكشفوا بهذا عن أهم الحقائق" (65) . وهذا الإلهام التنبؤي في مقدور أي إنسان إذا نمى مواهبه إلى أقصى حدود النماء، ذلك بأن العقل البشري إلهام مستمر، لا يختلف اختلافًا جوهريًا عن بصيرة الأنبياء الواضحة الساطعة.
وبعد فهل خلق الله العالم في زمان معين، أو أن الكون ذا المادة والحركة، كما يظنه أرسطو، أزلي؟ يقول ابن ميمون إن هذا ما يحتار فيه العقل؛ فليس في وسعنا أن نثبت أزلية العالم أو خلقه؛ وإذن فالمتمسك بعقيدة آبائنا القائلة بخلقه (66) ، ثم ينتقل من هذا إلى تفسير قصة الخلق الواردة في سفر التكوين تفسيرًا مجازيًا رمزيًا: فآدم عنده هو الصورة الفعّالة أو الروح، وحواء هي المادة المنفعلة وهي مصدر كل شر، والأفعى هي الخيال (67) . ولكن الشر ليس له وجود ذاتي موجب، وإنما هو انتفاء الخير؛ وترجع معظم مصائبنا إلى ما ترتكبه من أخطاء؛ ومن الشرور ما ليس شرًا إلا من وجهة نظر الإنسان أو وجهة النظر الضيقة؛ وقد تكشف النظرة الكونية في كل شر ما هو خير للكل أو ما هو