وكان ابنه مانويل الأول Manuel I (1143 - 1180) إله الحرب مجسمًا، وهب نفسه للحرب ومتعتها؛ يسير على الدوام في طليعة جنوده؛ ويرحب بالمبارزة الفردية، وقد انتصر في كل واقعة خاض غمارها إلا الأخيرة من هذه المواقع. وكان في ميدان القتال رواقيًا في مبادئه، أما في قصره فكان أبيقوريًا، مترفًا في طعامه ولباسه، سعيدًا في عشقه الحرام لابنة أخيه. وعادت الآداب والعلوم إلى سابق ازدهارها بفضل ترفه ومناصرته؛ وكانت سيدات البلاط يشجعن المؤلفين، وقد نزلن هن أيضًا من عليائهن ليقرضن الشعر؛ وجمع زناراس Zanaras في أيامه كتابه الضخم الذي أسماه موجز التاريخ. وشاد مانويل لنفسه قصرًا جديدًا هو قصر البلاشرني Blachernae على شاطئ البحر عند طرف القرن الذهبي؛ وكان أودم الدويلي Odom of Deuil يظنه"أجمل بناء في العالم، فقد كانت عمده وجدرانه مغطاة إلى نصفها بالذهب، ومرصعة بالجواهر التي كانت تتلألأ حتى في ظلام الليل" (1) . لقد كانت القسطنطينية في القرن الثاني عشر صورة أخرى من النهضة الإيطالية.
وتطلبت فخامة العاصمة، والحروب الكثيرة التي شنتها الإمبراطورية العجوز لتصد عنها الموت، تطلبت هذه وتلك ضرائب فادحة ألقاها المترفون على المنتجين لضرورات الحياة. وكانت النتيجة إن زاد فقر الفلاحين، واستسلموا للاسترقاق الأراضي، وأن سكن عمال المدن اليدويون في مساكن قذرة كثيرة الضجيج، يُرتكب في ظلماتها وأفذارها ما لا يحصى من الجرائم.
وكانت حركات ثورية شبه شيوعية تضطرم نارها في قلوب صعاليك المدن (2) ، ولكن هذه الحركات قد عفا ذكرها لكثرة ما حدث من أمثالها على مر الأيام. وكان استيلاء الصليبيين على فلسطين قد فتح ثغور الشام لتجارة اللاتين، وخسرت القسطنطينية ثلث تجارتها البحرية التي استولت عليها المدن الناهضة في إيطاليا. وكان من أعظم الآمال التي تداعب قلوب المسيحيين والمسلمين